فغضب من ذلك غضبا شديدا. ثم دخل «1» يزدانجشيس وهو جالس وحده في رحبة الدار.
فلما رآه، عرف الشرّ في وجهه. فقال: ارفق! أكلّمك. فلم يلتفت الرجل الى قوله، ضربه بالسّيف حتى قتله ثم جز «2» رأسه، وحمله معه حتّى اتى الرّىّ، ودخل على بهرام، وألقى الرأس بين يديه. فقال: هذا رأس عدوك يزدانجشنس الذى حمل الملك على الغضب عليك، وأنساه حسن بلائك، وعظيم شأنك «3» في هذا الوجه. قال له بهرام يا عدّو الله:
قتلت يزدانجشيس في فضله وشرفه، وقد أتانى متنصلّا من ذنبه، ليصلح بينى وبين الملك، وامر فضربت عنقه. وبلغ ذلك من بباب الملك من الوزراء والمرازبة، فلاموا الملك، وعاتبوه على توجيه يزدانجشيس الى عدّوه. وكان في الوزراء له قدر عظيم وشأن جليل، فدّس بعضهم الى بعض، وبعث اليهم بندويه وبسطام خالاكسرى بن الملك يحثّونهم على خلعهم الملك، وتوليتهم ابنه ابرويز. وقالا لاشرافهم: اريحوا انفسكم من ابن التركية، يعنون الملك، فانّه قد فرّق جماعتنا، وقتل خيارنا. فاجتمعوا، وساروا الى الملك، وهو في مجلس المحبس، حتّى اخرجوا بندويه وبسطام وساير من كان فيه من الناس ثم اقبلوا من فورهم، حتّى دخلوا على الملك، فنكسوا «4» عن سريره، واخذوا تاجه ومنطقته وسيفه، وبعثوا بها الى كسرى ابرويز، وكان باذربيجان، ثم حبسوه في بيت من دار المملكة، ووكّلوا بالبيت حرّاسا يحفظونه. فلما وصل التاج والمنطقة والسيف الى ابرويز؛ اقبل من اذربيجان مسرعا بالبريد الشّديد، حتى قدم المدائن. فاجتمع عليه العظماء والاشراف والمرازبة، ووضعوا له النمارق بعضها فوق بعض، فقعد عليها. ثم قال: ان المقادير تري الناس ما لم يخطر لهم على بال، وافضل الفرصة ما جنف القلوب. وخير الملوك المتثبّت في امره، وانّ استقبال الامور اكرم عاقبة. وشرّ العيوب البغض للاخيار، واحمق الحمق ان يحسد الرجل من كان فوقه، واستخّف بمن دونه. ولا خير في العلم الا بالنزاهة، ولا الحسب الامع الادب، ولا السرور الا مع الامن، ولا البّر إلا مع الرأفة، ولا القول الّا مع الفعل، ولا الزهد الا مع التجارب، وكل قرابة محتاجة الى مودّة، وكل عمل محتاج الى الفرصة. ولا يصلح عقل بغير ورع، ولا حسب بغير ادب ولا غنى بغير جود، ولا مرّوة بغير التواضع، ولا دعة بغير كفاية. ايّها الناس لا تيأسوا على مافاتكم، ولا تفرحوا بالغلواء ولا تبطروا في الرخاء، ولا تطغوا في الغنى، ولا تستكينوا في الضّر، وتنكّبوا الحسد، فانّ له في قلوب الناس نصيبا. فمن تنكّبه، أراح نفسه. وايّاكم ما لا يعنيكم،
(1) . الصحيح: على يزدانجشيس
(2) . الصحيح: حرّ
(3) . تاريخ: غنائك
(4) . الصحيح: فنكّسوه