ودعوا ما كان موضوعا عنكم، ولا تخوضوا في ما لا يجدى عليكم، وارحموا صغاركم، وقرّوا كباركم، وخذوا على ايدي سفهائكم. فان ذلك صلاح لدينكم، وقوام لدنياكم. ثم نزل، وتفرّق الناس عنه. فقام حتى دخل على ابيه وهو محبوس في دار المملكة. فأمر الاحراس، فانصرفوا عنه، ودنا من ابيه، فقبّل يديه ورجليه، وبكى فقال يا ابة، وحقّك العظيم، ما امرت بتلك الدراهم، ولا ضربتها، ولا امرت بضربها التى كان عليها صورتى واسمى. وانّما كان ذلك من فعل بهرام الفاسق، فانه اراد أن يلقى بينى وبينك العداوة والبغضاء، ويحملك على قتلى. فاما ما فعل هؤلاء القوم بك من خلعهم ايّاك، وتوليتى الامر، فو اللّه ما اردت ذلك ولا هويته. ولو لم اقبلها؛ لاخرجوها عنّا، وجعلوها لغيرنا. قال ابوه: صدقت يا بنّى، وقبلت عذرك، وقد احسنت في قبولك الامر، ووفّقت بالاخير، وانا بذلك راض غير انّى أسألك بعظيم حقّى عليك ان تأخذ هؤلاء الذين نكّسوني عن سريرى، واخذوا تاجى، فتنتقم لى منهم، فانّهم تناولونى بأيديهم، وأبلغوا الىّ، ولم يدعوا لي شرفا ولا حفاظا. وانّك متى فعلت ذلك، كنت معينا لك على امرك ومدبرّا لك سلطانك ومشيرا عليك فيما فيه تزيينك. قال له ابنه: يا أبة جعلت فداك، لا يمكن هذا في هذه الفورة، ولا يجوز ان احرّك احدا من الناس بمكروه، والرأى تركهم، والاغضاء عنهم، حتّى يستدف «1» لى الملك، ويتّسق لى السلطان. ثمّ آمر بعد ذلك بهلاكهم، وانتقم منهم. فطب نفسا فوالدى «2» اوجب علىّ حقك لا أقصرن في قتلهم، ولا نسيت فعلهم.
فطابت نفس ابيه، وعلم انّه كان بريئا ممّا اتّهمه به من ضرب الدارهم. قال: وبلغ بهرام خبر الملك هرمزد، وخلعهم اياه، وتوليتهم ابنه ابرويز. وكان مقيما بالرّى. وكان خبر ابرويز ودخوله على ابيه وما جرى بينهما، قد بلغه. فلما بلغه ذلك؛ غضب على ابرويز وعلى جميع من شايعه وتابعه، ورقّ لهرمزد ورحمه وغضب له. ثم قال لعظماء اصحابه: لئن كان هرمزد، أساء الىّ آخر امره «3» ، لقد احسن الى في بدء امره، ونوّه باسمى، وشرّفنى واسنى منزلتى، فانا احرى ان اطلب ثأره، وان انتقم له من اعدائه، وان اردّ ملكه عليه.
فقالوا: نعم ما رأيت، وبالصواب تكّلمت، ونحن جميعا معك، فسر بنا الى الفاسق كسرى، حتّى ننابذه الحرب، وننصر ملكنا على من بغى عليه وأزاله عن ملكه. فان ظفرنا بذلك، كفى به دركا وشرفا. فقال: استعدّوا على بركة الله، فانّى سائر اليه. ثم نادى مناديه بالرحيل نحو العراق. وسار من الرّىّ بجنوده جادّا مجّدا. وبلغ كسرى ابرويز وصوله من
(1) . تاريخ: يشتدلى الامر الملك
(2) . الصحيح: فو الّذى
(3) . تاريخ: عمره.