شهرا وثمانية عشر يوما. وستملك ثمان وثلاثين سنة. قال له كسرى: ما علّمك ايّها الرّاهب، ومن اين عرفت ذلك؟ قال: من كتب عندى فيها ملاحم الملوك وقصصهم واخبارهم وكم يملك كل رجل منهم، وهى كتب دانيال النّبي. قال له كسرى: فمن يملك بعدى؟ قال: يملك ابنك شيرويه اشهرا يسيرة ثم يموت. ثم يملك ابنتان لك قليلا، ثم يملك بعدهما ابن لبعض ولدك. ثم يخرج الملك عنه الى امّة من ولد اسماعيل بن ابراهيم يسكنون البوادى، طعامهم التّمر واللّحم وشرابهم اللّبن. فيبقى الملك فيهم الى يوم الدين. قال كسرى: وما يوم الدين؟ قال: يوم يجمع الله فيه الاوّلين والآخرين، فيسعد المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال كسرى ما ابالى ما كان من الامر، فهل يتكّدر علىّ ملكى طول مدّتى؟ قال له الراهب: نعم يكدّره خال لك يسمّى بسطام، ويثير فيه فتنة وحربا. قال: فهل غير ذلك؟ قال: نعم، ستغلب على عامّة ارض الروم ثلاثة احوال، ثم تغلب بعد ذلك، وتزال الروم «1» منك ومن قومك. فقال كسرى لخاله بسطام: اما تسمع ما ذكر الراهب من خروجك علىّ واثارتك في مملكتى فتنة وحربا؟ قال له بسطام: وما تسمع كذب الراهب في ما ذكر من ذلك، هذا ما لا يكون ابدا. قال له كسرى: فأعطنى عهدا وميثاقا ان لااوتى من قبلك هذا. فان نكثت، رجع وبال ذلك عليك. فأعطاه بسطام العهود والمواثيق ان لا يبدأ بمكروه أبدا. فودّعوا الراهب، وساروا حتى انتهوا الى مدينة انطاكية، فنزلها. ووجّه الى قيصر خمسة أنفار من اصحابه هرمزد جرابزين، وخاله بسطام، وسابور ابركان «2» ، ويزدك الكاتب، وكتب معهم كتابا.
بسم الله ولى الرحمة اما بعد، فانّى اتيتك عائذا، مستجيرا بك من رجل من اصحابى استمال جنودى، وغلبنى على ملكى، واراد سفك دمى، فهربت منه اليك، اتّكالا على اللّه. ثم عليك؛ فأجرنى واتخذنى «3» ، وخذبرمقى، وانصرنى على عدّوى ودبرّ في امرى، واعنّى على استرجاع ملكى، تنل بذلك الحمد في الدنيا والاخرة. والسلام.
فسار القوم بالكتاب حتى انتهوا الى القسطنطنية، وأتوا باب الملك، فاستأذنوا عليه.
فأذن لهم. فدخلوا عليه، ووضعت لهم كراسى الذهب، فجلسوا، خلا هرمزد جرابزين، فانّه ابى ان يجلس. فقال ان سيّدى كسرى لم يؤهلّنى لهذا قطّ، ولم اكن بالذى اجلس عليه
(1) . تاريخ: ملك الروم
(2) . تاريخ: سابور بن بابكان
(3) . يبدو الصحيح: وانقذلى