عندك، وانت أمله الذى يتناهى اليك امله، وغايته ورجاؤه الذى يصمد «1» اليها همّته، مع ما انّى لا احّب ان اجلس، حتى ابلغ ما اريد بلوغه عند قراءتك كتاب سيدى في نصرته.
فلما سمع قيصر ذلك، قال لجلسائه بالرومية: هذا سيّد القوم. ثم قرأ الكتاب الذى بعثه كسرى فلما استتمه، قال: هرمزد جرابزين: ايّها الملك، انّ الله احلّك محلّا قوي اصله، وعظم فرعه، واعطاك ملكا بسقت اغصانه، وأينعت ثماره، وجعلك مفزعا للملهوفين، ومعادا للمستجيرين. فأدام الله الملك في علوّ الرفعة وعظيم السلطان، ونحن رسل ابن اخيك كسرى بن هرمزد اليك ووفوده عليك. وهو يسألك ان تعضده وتعينه على قائد من قوّاده غمط نعمته، فأنكر حقّه، وحقّ آبائه عليه، فخرج واستمال جنوده، وحداهم على خذلانه ومحاربته، واراد سفك دمه. فهرب اليك منه رجاء ان يرد الله ملكه عليه بك وعلى يدك، فلا تخلف ظنّه، وكن معى وراء حاجته بجيش توجّه معه، ويرّد الله عليه سلطانه «2» ، ويكبت به عدوّه، فيكون لك اجر ذلك وذكره «3» . ثم جلس على البساط، ولم يجلس على كرسىّ الذهب. فقال له قيصر: قد فهمت كتابه، وسمعت كلامك، وأقلقنى ما حلّ به، واوجع قلبى ما نزل بساحته. وانا من وراء نصرته، وغير مخيّب حسن ظنّه.
فليفرغ روعه، ولتطب نفسه. قوموا، فانزلوا الى ان ابرم امرى فيما قدمتم فيه، وادبّر الامور فيما جئتم له. ثم امر لهم بمنزل فاخر. فانطلقوا، فنزلوا فرحين راجين لما وعدهم من نصرته، مسرورين بما رأوا من شدّة توجّعه لكسرى، واغتمامه بما حلّ به.
ثم انّ قيصر جمع وزراءه وبطارقته وعظماء جنوده، ودعا بالاسقف، فأجلسه الى جانبه، ثم اقرأهم كتاب كسرى اليه، ثم قال لهم: ما الذى ترون من نصرة هذا الرجل المغلوب على ملكه المضطهد سلطانه، وقد اتانا مستجيرا خائفا راجيا ما عندنا مؤمّلا للفرج من قبلنا. فتكلم رئيس الوزراء، فقال: ايّها الملك، قد علمت مالقى قومك، ومن كان قبلك من آبائك من اهل فارس بعد الاسكندر؛ وكم غارة قد شنّوا في بلادنا، وكم من جيش قد قتلوه من جيوشنا؛ فدع القوم يشتغل بعضهم ببعض، فان في اشتغال العدوّ فرج عظيم لنا. قال سائر وزرائه وطراخنته، صدق ايّها الملك، والامر على ما قال والاسقف ساكت لا يتكلّم. قال له قيصر: ما عندك يا كبيرنا في هذا الامر؟ فقال الاسقف فهل يليق بملك او سوقة ان يستجار فلا يجير، ويستغاث فلا يغيث، وسيمّا ملك مضطهد مظلوم قد أتاك ملهوفا، فيجوز ان تردّه، وتخلف ظنّه، وتقطع امله. ثم قال قيصر: والمسيح انّه
(1) . النهاية: يعهد، تاريخ: «يحمر» أو «يحمل»
(2) . تاريخ: ملكه
(3) . تاريخ: اجرا في ذلك وذكرا الى يوم الدين