وإقدامهم على هذا الإنكار وجراءتهم عليه وتسرعهم فيه دليل على جهل فاضح بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،وبفقه الحديث وبأقوال أهل هذا الشأن.ولعل أعظم من تولى كبر ذلك هم رواد المدرسة الإصلاحية ،وقد ردوا صحاح الأحاديث بدعوى أنها تعارض عصمة النبوة،أو لأنها تناقض العقل، أو لأنها أحاديث آحاد لا تقوم حجة في مجال العقائد.وهو بهذه السنة السيئة التي سنوها قد فتحوا الباب على مصراعيه لكل من جاء بعدهم ممن هب ودب ليتكلم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ويرد الأحاديث الصحاح بدعاوى لا تقوم على ساق ولا يسعفها جناح،بل الأدهى من ذلك أن نبتت نابتة من بين المسلمين تنكر السنة النبوية وتنفي عنها صفة الوحي جملة وتفصيلا وتطعن في رجالها ،وتزعم بعد ذلك أن مرجعها الأول هو القرآن،وقالوا: حسبنا القرآن ، وسموا أنفسهم أو سُموا بالقرآنيين، وكذبوا ،فما أبعدهم عن القرآن وعن منزل القرآن سبحانه وتعالى الذي أمر في كثير من آياته باتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، وقرن طاعته بطاعته..
وفيما يأتي نماذج من الأحاديث النبوية التي أنكرها بعض المعاصرين الذين كتبوا في السيرة النبوية:
المطلب الأول:حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم:
إنكار هذا الحديث ليس بدعا في كتابات المعاصرين ، بل هو أمر قديم، ومن قبل قال القاضي عياض (ت 544هـ) : (اعلم وفقنا الله وإياك أن هذا الحديث صحيح متفق عليه وقد طعنت فيه الملحدة، وتذرعت به ، لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع) 53.
والموقف نفسه الذي اتخذه المعتزلة قديما من هذا الحديث،اتخذه أيضا دعاة المدرسة العقلية الحديثة وفي مقدمتهم الشيخ محمد عبده الذي أنكره بدعوى أن القرآن الكريم نفى السحر عنه صلى الله عليه وسلم ،وأن الحديث على فرض صحته حديث آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في العقائد،وأنه إذا جاز عليه السحر لكان في ذلك إخلالا بالتبليغ54.