الصفحة 25 من 59

وهذا ميدان زلت فيه أقدام كثير ممن كتب في السيرة النبوية في هذا العصر، وكان من أبرز من تولى كبر ذلك رواد المدرسة العقلية الحديثة، أو ما يمكن تسميته بالاتجاه التوفيقي في كتابة السيرة النبوية ،وهو الاتجاه الذي حاول التوفيق بين معطيات الدين الإسلامي و معطيات الحضارة الغربية الحديثة.ولقد كانت مسالة المعجزات من أكثر قضايا السيرة النبوية التي برز فيها هذا الاتجاه، تارة بإنكارها وعدم ذكرها أصلا،وتارة بالتشكيك فيها، وتارة أخرى بتأويلها حتى تصبح من قبيل المألوف.فالطير الأبابيل تؤول بالجراثيم والملائكة التي أمد الله تعالى بها المؤمنين في غزوة بدر تفسر بالمدد المعنوي ورحلة الإسراء والمعراج تؤول بوحدة الوجود وسياحة الروح ، بل إن بعضهم أوَّل المعجزات النبوية كلها على أنها ضرب من الحظ الذي رافق النبي ! واعتبر هؤلاء القرآن الكريم المعجزة الوحيدة والقطعية التي تثبت نبوة محمد،وحتى هذا الاعتبار من هؤلاء فيه نظر، إذ حتى المعجزات و الغيبيات التي أوردها القرآن الكريم كالإسراء والمعراج ومدد الملائكة يوم بدر أعملوا فيها التأويل العقلي حتى توافق المألوف، وتساير العقلية الغربية. فهذا الشيخ رشيد رضا وهو من تلاميذ الشيخ محمد عبده ومن رواد هذه المدرسة يرى أنه لولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد بها موسى وعيسى عليهما السلام لكان إقبال الأحرار عليه أكثر واهتداؤهم به أعم وأسرع! ويرى كذلك أن العجائب لكونية والمقصود بها المعجزات النبوية هي مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها وفي صحتها وفي دلالتها إضافة إلى أنها من منفرات العلماء عن الدين في هذا العصر!86.

وكأن الشيخ يريد من القرآن الكريم أن يجامل أحرار الإفرنج هؤلاء فيذكر ما يرضون ويعرض عما لا تستسيغه عقولهم، حتى ينقادوا لدين الإسلام، والله عز وجل يقول: ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض) 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت