فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 80

هذا القول حق، فذكر الله دائمًا هو قوت القلوب، و زاد الأرواح؛ و لكن ليس معناه أنه يغني عن الزاد الحقيقي للبدن، و إنما الذكر و الفكر يقوي الروح، و يزيدها نشاطًا و ثباتًا و استمرارًا في العبادة، و حبًا و رغبة في مواصلة العمل.

خامسًا: العلماء مهما بلغوا؛ فهم مقيدون بنصوص الشريعة:

ثم قال الكاتب:

[حتى أشرقت على قلبه شمس المعارف الربانية، فأصبح القلب ينبوعًا من ينابع الأنوار و الأسرار و الحكم الربانية .. الخ] .

نقول:

هذا غير صحيح؛ فإن ذلك يستلزم تفوقه على الرسل و الملائكة، و استغناءه عن الشريعة و علومها، فإن الينبوع هو الماء النابع من الأرض، فمعنى ذلك أن شمس المعارف الربانية و العلوم الدينية قد أشرقت على قلوب الصوفية، و سطعت فيها فاستنارت بها فأصبح ينبوعًا للأنوار و الأسرار، يعني: معدنًا تنبع منه الأنوار الإلهية و تنفجر منه عيون الحكمة، و تتوارد عليه الأسرار و الحكم الربانية؛ فتغنيه عن العلوم الشرعية.

و نحن لا ننكر أن الله تعالى قد يفتح على بعض العباد إفهامًا و حكمًا و أسرارًا في كتابه أو شرعه، كما في قوله تعالى: (( و اتقوا الله و يعلمكم الله ) ) (البقرة:282) ؛ حيث جعل التقوى سببًا للتعليم، فالله تعالى قد يرزق بعض عباده الأتقياء و الصالحين علومًا و أفهامًا و أسرارًا في كتابه، أو في شرعه، و لكنها مستنبطة من القرآن و الحديث، و من الحكم العامة التي لأجلها شرعت الشرائع، و تنوعت الأوامر و الأحكام، و لا تصل إلى الوصف الذي يذكره الكاتب من إشراق شمس المعارف .. الخ، فإنه مع ما فيه من المبالغة و الإطراء غير صحيح؛ فإن القلب البشري لا يتصور أن يصبح ينبوعًا من ينابيع الأسرار و الأنوار و الحكم الربانية، و ذلك لقصر الإنسان عن هذا الوصف مهما فتح عليه من العلوم و المعارف، مع أن هذا الوصف ليس خاصًا بالمتصوفة؛ بل هناك علماء الأمة وعبّادها قاموا بحقوق ربهم، و وقفوا عند حدوده، و عبدوه حق عبادته قد فتح الله على قلوبهم من الفهم و الإدراك، و الحفظ و الاستنباط، الشيء الكثير، كما حصل للأئمة الأربعة، و للمحدثين و الفقهاء من صدر هذه الأمة، و هم مع ذلك لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت