لأنهم#
هم المنتفعون به الممتثلون لأوامره المنتهون عن نواهيه وزواجره كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [1] . وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا} [2] . و (من) هنا لبيان الجنس لا للتبعيض.
والهدى ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة فالقرآن الكريم هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية ومبين للحق من الباطل والهدى من الضلال، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم في دنياهم وأُخراهم. والتقوى هي طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه. ثم وصف الله المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة لتضمن التقوى لذلك فقال: (الذين يؤمنون بالغيب) حقيقة الإيمان هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل المتضمن لانقياد الجوارح. فهؤلاء المؤمنون يصدقون بجميع ما أخبر الله به ورسوله من الغيوب الماضية والمستقبلة وأحوال الآخرة فيؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ويؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، ويؤمنون بالجزاء والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار ويؤمنون بالوعد والوعيد.
(ويقيمون الصلاة) أي يأتون بها على الوجه الأكمل في وقتها، ويأتون بشروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها كاملة، ويقيمونها ظاهرًا بإتمام قيامها وقعودها وركوعها وسجودها، والإتيان بالقراءة والأذكار المشروعة فيها، ويقيمونها باطنًا بإقامة روحها وهو حضور القلب فيها وتدبر ما يقول ويفعل فيها. (ومما رزقناهم ينفقون) يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة ونفقة الزوجات والأقارب والمماليك ونحوهم، والنفقات المستحبة في جميع طرق الخير. وفي قوله (رزقناهم) إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم ليست حاصلة بقوتكم وقدرتكم وإنما هي رزق من الله الذي أعطاكم وأنعم به عليكم لتشكروه وتستعينوا به على طاعته فكما أنعم عليكم ورزقكم وفضَّلكم على كثير من خلقه فاشكروه بإخراج بعض ما رزقكم وواسوا به إخوانكم المحتاجين. وكثيرًا ما يجمع الله تعالى بين الصلاة والزكاة
(1) سورة فصلت آية 44.
(2) سورة الإسراء آية 82.