فهرس الكتاب
من سورة الشورى
الأشياء التي ينال بها ما عند الله
قال الله تعالى: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} الآيات 36 - 39.
يقول الله تعالى محقرًا لشأن الدنيا وزينتها وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني ومرغبًا في الآخرة بذكر الأعمال الموصلة إليها (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا) أي مهما حصلتم في هذه الحياة من ملك ورئاسة وأموال وبنين وصحة وعافية بدنية فلا تغتروا به فإنما هو متاع الحياة الدنيا وهو دار دنيئة فانية زائلة ولذاتها منغصة منقطعة (وما عند الله خير وأبقى) أي ما عند الله من الثواب الجزيل والأجر العظيم والنعيم المقيم خير من لذات الدنيا وهو باق سرمدي فلا تقدموا الفاني على الباقي فيشغلكم هذا عن ذلك. ثم ذكر لمن يكون هذا الثواب الدائم فقال: (للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) أي جمعوا بين الإيمان الصحيح المستلزم لأعمال الجوارح وأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة وبين التوكل وهو اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار ليعينهم على فعل الواجبات وترك المحرمات (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) وهي موجبات الحدود، وقيل كبائر الإثم كل ذنب تعظم عقوبته كالقتل والزنا والسرقة شبه ذلك، والفواحش ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال، وقيل هما بمعنى واحد فذكر الفواحش بعد كبائر الإثم من عطف البعض على الكل والله أعلم، (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) أي إذا أغضبهم أحد بقوله أو فعله كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه وقابلوا المسيء بالإحسان والعفو والصفح قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم عادة أو طبيعة (والذين استجابوا لربهم) أي أجابوه إلى ما دعاهم إليه من طاعته وطاعة رسوله فامتثلوا الأوامر واجتنبوا النواهي، ومن الاستجابة لله إقامة الصلاة فلهذا عطفها على ذلك من باب عطف الخاص على العام الدال على شرفه وفضله فقال: (وأقاموا الصلاة) أي باطنها وظاهرها فرضها ونفلها بجميع واجباتها وحقوقها وهي أعظم العبادات لله تعالى بعد توحيده (وأمرهم شورى بينهم) يعني يتشاورون فيما يبدو لهم من الأمور المشتركة ولا ينفردون بأمر لم يجتمعوا عليه وذلك كالرأي في الحرب#