فهرس الكتاب
مقامات الإحسان والإحسان نوعان: إحسان في عبادة الخالق وإحسان إلى المخلوقين. فالإحسان في عبادة الخالق فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» رواه مسلم. فتستحضر عظمته وتعبده كأنك تشاهده فإن لم تقدر على ذلك فاعلم أنه يراك ويسمعك ولا تخفى عليه خافية، وأما الإحسان إلى المخلوقين فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم ودفع الشرور عنهم فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتعليم جاهلهم ووعظ غافلهم والنصيحة لعامتهم وخاصتهم والسعي في جمع كلمتهم وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم على اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، ثم ذكر اعتذارهم لربهم من جناياتهم وذنوبهم فقال: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) أي إذا صدر منهم أعمال سيئة كبيرة أو ما دون ذلك «ذكروا الله» أي ذكروا عظمة الله وعلمه بهم ورؤيته لهم وذكروا وعده ووعيده وثوابه وعقابه وجنته وناره فبادروا إلى التوبة والاستغفار وذكروا ربهم وما توعد به العاصين من العقاب ووعد به المتقين من الثواب فسألوه المغفرة لذنوبهم والستر لعيوبهم مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها ولهذا قال: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير تائبين ولا مقلعين عنها ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» رواه أبو داود وغيره وحسنه ابن كثير. وقوله: «وهم يعلمون» أي يعلمون أن من تاب تاب الله عليه كما قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [1] وقال سبحانه {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [2] ثم ذكر جزاءهم فقال: «أولئك» أي الذين ينفقون أموالهم في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والمستغفرين لذنوبهم «جزاؤهم مغفرة من ربهم» أي مغفرة لذنوبهم تزيل عنهم كل محذور {وجنات تجري من تحتها الأنهار} فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من الشراب اللذيذ والمأكل الهنيء والملبس الناعم الفاخر والأزواج الحسان الناعمات الراضيات الجميلات والنعيم المقيم والبهجة والحبور والخير والسرور والقصور والمنازل الأنيقة العاليات والأشجار المثمرة والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات «خالدين فيها» أي مقيمين فيها على الدوام#
(1) سورة التوبة آية 104.
(2) سورة النساء آية 110.