(ص74) ما قاله في نقض أساس التقديس للرازي عند الكلام في الاستواء (ولو شاء لأستقر على ظهر بعوضة فاستقلت بقدرته، فكيف على عرش عظيم؟) وهو ينتزع هذه الجملة انتزاعًا ويحذف منها ليشوه وجه الحقيقة مع أن المراد منها ظاهر، وهو أن العرش وحملته محملون بقدرته. وأصلها في الكواكب (المجلدة 25) لولا ذلك (أي قدرته وإرادته) ما ستقل به العرش ولا الحملة، ولا السماوات والأرض ومن فيهن، ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به قدرته، ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات السبع والأرضين السبع؟ ألخ.
وقد حذف الكوثري قول شيخ الإسلام (ولطف ربوبيته) ليخفي المراد، وهو أن القدرة الإلهية قائمة بجميع المخلوقات، مستقلة بها من العرش الذي هو أكبر مخلوق، إلى صغار الذر والبعوض، وهو تعالى بائن منها، مستغن عنها عالٍ عليها جميعًا، وإنما أراد الكوثري أن يشنِّع بضرب البعوضة مثلًا فقال سبحانه: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم} .
ولما عاب الكفار ذكر النحل والنمل والذباب والعنكبوت في القرآن، ذكرهم الله في هذه الآية أن البعوضة فما فوقها من عجائب خلق الله وأنها مشتملة على حكمة بالغة {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العاملون} وفي قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا} الآية ثناء عظيم على المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم للكلمة الحمقاء كما قال الزمخشري في كشافه.