وترى من أبواب هذا الكتاب (الإبانة) "باب ذكر الاستواء على العرش"و"باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين"ولكن الكوثري عامله الله بما يستحق لا يقيم لشيء من هذا وزنًا، ولا يرفع به رأسًا، بل يُعدُّه ضربًا من الضلال والخبال، وإن كان في كتاب الله المتعال، وفي كلام النبي المبِّين لمِا نزل من عند الله، وإن كان مذهب الصحابة والتابعين وأهل الحديث وأئمة الرواية، وحتى وإن كان مذهب أبي الحسن الأشعري الذي يزعم الانتصار له؛ بل وإن كان مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان الذي يدعي الانتماء إليه وهو يرد عليه سفهًا، فقد قال الإمام أبو حنيفة (رضي الله عنه) في كتاب"الفقه الأكبر"المطبوع مع كتاب الإبانة (ص16) "من قال: لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض فقد كفر"قال الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} فإن قال:"أقول بهذه الآية ولكن لا أدري أين العرش، في السماء أو في الأرض فقد كفر أيضًا". وقال في كتاب الوصية (ص10) "ونقر بأن الله على العرش استوى، وقال في الفقه الأكبر أيضًا (ص14) وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة أهـ."
أترى الكوثري بعد هذا كله أشعريًا، أو حنفيًا أم تراه جهميًا أو معتزليًا؟ ثم تراه في ظلمات حواشيه يزعم أن كتاب"الإبانة"ليس مما ألفه الإمام في أواخر حياته، ويدعي أن طبعتها محرفة، وهو يريد بهذا التخريف إبطال الثقة بكتاب"الإبانة"وبالمذهب الحق الذي صار إليه الإمام ورده إلى مذهب الاعتزال (وماذا بعد الحق إلا الضلال) .
وقد أذكرَنا بهذا التعصب الذميم بما حكاه في"رسالة الذب عن الأشعري"الحافظ أبو محمد بن علي البغدادي أنه شاهد نسخة من الإبانة بخطه مقروءة مصححة