إذ كان الوالد رعاه الله ، وأمتع به ، يحفظنا القصائد ، ويعقد بيننا المساجلات الملتهبة ، والمداولات الجميلة التي تلاقح العقول ، وتشحذ الأفكار ، وتنثر الأشعار ، فيفيد كل منا الآخر ، ويحمل من فكره وشعره دررًا وروائعًا .
ثم حبب إلى مثل ذلك وبالغت فيه ، ولم أره حائلًا عن العلم وطلبه ، بل اندفعت لشعر العرب القديم ، وحفظت فيه ، وشعر صدر الإسلام ، والدولتين الأموية والعباسية , وأولعت كغيري بالمتنبي وأضرابه ، وتابعت خمول دورة الشعر في عصر الانحطاط إلى أن نهض به رواد النهضة كالبارودي وشوقي وحافظ ونظرائهم .
ولم يخل عصر من مجددين ومطبوعين في الشعر حتى عصرنا هذا - الذي كاد الشعر فيه أن يقل قدره ، وتذهب مكانته ، وتنصرف النفوس إلى غيره - برز عمالقة ، ولمع أفذاذ ، لا يعرفهم إلا من تأمل شعرهم وعاش روائعهم ونوادرهم .
وفي كل ذلك لي عناية ، إلا أن طغيان المأساة والخنوع على الأمة آخر أيام الرجل المريض ، ظهر ما يسمى (بأدب المأساة) يبرز ، واشتدت القصيدة السياسية ، التي تأخذ صورًا مختلفة .
وقد اعتنيت بذلك عناية فائقة ، وكنت أرى فيها متنفسًا من الاختناق ، وفسحة من المضيق ، وبسمة من البؤس .
وفي خلال ذلك تعرفت على الأراجيز والشعر والتعليمي ، وشدني ما أسمعه من الشيوخ الكبار ، من نحو ما سمعته من ( متن الزبد ) من الوالد الفاضل الشيخ علي بن إبراهيم الفتحي .
حيث كان يردد بعض معاني متن الزبد لابن رسلان الشافعي كقوله:
إذا رآنا في رمضان نستاك ، يقول متبسمًا:
نسن لا بعد زوال الصائم
وأكدوه لإنتباه النائم
ولتغير الفم وللصلاة
وسن باليمنى الأراك أو لاه
وقلت له في سفر عمرة قبيل الفجر: سأجدد الوضوء ، فقال على الفور:
كذاك تجديد الوضوء
إن صلى فريضة أو سنة ونفلا
وكثير ما كان يتمثل بقوله:
فاعمل ولو بالعشر كالزكاة
تخرج بنور العلم من ظلمات
فعالم بعلمه لم يعملن
معذب من قبل عباد الوثن
ويحفظ قطعًا من الرحبية من نحو: