فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 426

دلت تلك الفترة التي قضاها أبو بكر مع الرسول صلى الله عليه وسلم في حروبه على أنه قائد انضباطي، ومقاتل طائع، وجندي ملتزم. ينفذ أمر القائد الأعلى بكل طواعية واختيار، وبكل إصرار وتصميم [1] ؛ فهو لثقته وإيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم كان يصدق بكل شيء يصدر عنه من قول أو فعل. ففي غزوة الحديبية أقرّ واعتراف بالمعاهدة مع ما فيها من غبن [2] ، وفي بعث أسامة أكد جاهدًا على إرساله ذلك البعث لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر به [3] . فقد أطاعه إلى الأبد حيًا وميتًا، لا يناقشة في الأمر، ولا يعترض عليه؛ بل يقوم بتنفيذه، وكما تدل الأنظمة الانضباطية في الجيوش الحديثة اليوم على أن الأمر أمر القائد يجب أن ينفذ دون تذمر أو تلكؤ حتى غدا القول شائعًا في صفوف العسكريين نفذ ثم اعترض، فالتنفيذ أولًا وقبل كل شيء. ولما صلّى أبو بكر بالناس في غياب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما حضر تأخر أبو بكر فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم"ما منعك أن تثبت حين أمرتك؟"فقال:"ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله" [4] وكان جنديًا ملتزمًا في معركة ذات السلاسل تحت إمرة عمرو بن العاص [5] . ولم يثبت طوال الفترة النبوية أن اعترض، أو تلكأ، أو توانى، فإنه كان يسارع في إطاعة الأوامر، ويلتزم بها.

القائد العقائدي

آمن أبو بكر بالمبدأ ودافع عنه، وظل ملتزمًا به، وقاتل دونه وخاض معارك كثيرة في سبيل هذه العقيدة. ذلك الرجل العقائدي الذي قاتل أقرب المقربين إليه، فقد انبرى في معركة أحد إلى ابنه عبد الرحمن ليبارزه مرتجزًا

لم يبق إلا حسبي وديني ... وصارم تقضي به يميني

(1) حسين- الشيخان: 6.

(2) الجاحظ- العثمانية: 62، ابن الأثير - الكامل في التاريخ: 2/ 156، المقريزي، امتاع الأسماع: 1/ 144.

(3) الشيباني - شرح السير الكبير: 1/ 54.

(4) ابن حزم - المفاضلة بين الصحابة: 242.

(5) الكلاعي - الاكتفاء: 2/ 422.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت