إن ما يميز القادة إنما هي الصفات الانسانية التي يتحلون بها، ورحمتهم لمرؤوسيهم، والعطف الأبوي الذي ينشرونه على الإخوة والأبناء وبني البشر. فقد كان أبو بكر رحيمًا بمن يليهم من خدم وأسارى، [1] رقيق القلب بكّاءً، [2] متسامحًا يعفو عن المسيء، [3] فلا يغضب لنفسه، [4] ولا يحقد على عدو. ولاعلى مبغضيه. ولقد كانت تعليماته إلى القادة الذين أرسلهم في مهمات قتالية تتضمن الرفق بالجنود، والمعاملة الحسنة، والابتعاد عن قتل الولد والشيخ والمرأة، وعن عقر البهيمة، وعن هدم الصوامع وإيذاء الرهبان فيها، ومن أقواله:"إذا سرت فلا تضيق على نفسك، ولا على أصحابك في مسيرك، ولا تغضب على قومك ولا على أصحابك.. وإذا نصرتم على عدوكم فلا تقتلوا ولدًا ولا شيخًا ولا امرأة ولا طفلًا، ولا تعقروا بهيمة إلا للمأكول، ولا تغدروا إذا عاهدتم، ولا تنقضوا إذا صالحتم، وستمرون على قوم في الصوامع رهبانًا.. فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم.." [5]
أما السبب في اختيار الباحث هذا الموضوع، فلأنه من الحقبة الزمنية التي تخصصّ بها، وهي: التاريخ في صدر الإسلام، ولأنه الحلقة المكملة والمتصلة بالحلقة التي سبقتها، ولأنه يعمّق ويؤصّل العقيدة القتالية التي أرسى قواعدها ومبادئها الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم، ولأنه يظهر شخصية أبي بكر الصديق العسكرية، واستراتيجية حربه وفتوحاته.
(1) ابن هشام- السيرة النبوية: 1/319، الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/169، البلخي - البدء والتاريخ: 4/ 192.
(2) ابن شهاب الزهري- المغازي النبوية: 97، الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/ 253.
(3) الجاحظ- العثمانية: 68، 69.
(4) الشيباني- شرح السير الكبير: 1/ 46، الواقدي- فتوح الشام: 1/ 2، 4، 7، الأزدي - فتوح الشام: 12 ومابعدها.
(5) الواقدي- فتوح الشام: 1/ 2، الأزدي- فتوح الشام: 12.