الشيخ محمد صالح المنجد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد ,,,
فإن الله سبحانه وتعالى قد أخذ على أهل العلم العهد أن يبلغوا دينه للناس وألا يكتموه. {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} وجعل الله أهل الذكر موئلًا للناس يستفتونهم ويرجعون إليهم في القضايا التي يتعرضون لها {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} فعلى الخبراء المسؤولية الكبيرة في إرشاد الناس إلى أحكام الله تعالى. وهذا المفتي الذي يرشد الناس إلى الأحكام منصبه خطيرٌ جدًا لأنه إنما يوقع عن رب العالمين. ولذلك ألّف أهل العلم في هذا الباب وفي خطورة هذا المنصب ومن ذلك"إعلام الموقعين عن رب العالمين". إن خطورة منصب الإفتاء كبيرة جدًا. ولذلك كان السلف يتدافعونها. وبعضهم أفتى بأن بعض من يفتي أولى بالسجن من السُرّاق لأنهم يفتون بلا علم. أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان منهم مفتٍ إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا؛ كما قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى.
عباد الله!
لقد كانت لفظة"لا أدري"معروفةً على ألسنة علمائنا. لا يستحيون من قولها، بل يقولها كبارهم كالإمام مالكٍ رحمه الله وغيره. وقال الشعبي والحسن: إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر. ولما سئل بعض العلماء عن مسألة وهو مالكٌ رحمه الله قال: لا أدري. فقيل: هي مسألةٌ خفيفةٌ سهلة. فغضب وقال: ليس في العلم شيءٌ خفيف. إن هذا الموقف في الحقيقة هو انطلاقٌ من قوله تعالى في الترهيب من القول عليه بغير علم {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهذه من أخطر العقوبات: الافتراء على الله بلا علم. العاقبة شنيعة. لا يفلح. ومتاعه قليل وله في الآخرة عذابٌ أليم.
عباد الله!
إن قضية الفتوى في الإسلام مقدسة، لا يدخلها إلا أهلها الذين توافرت فيهم شروطها. واليوم، العبث في الفتوى. المؤامرة على الفتوى. تضييع الفتوى. تمييع الفتوى. فضائياتٌ ومواقع لها تروج الفتاوى الباطلة، وتستفتي