الصفحة 34 من 48

للعلماء في ذلك قولان:

القول الأول: مذهب جمهور الفقهاء -بمن فيهم الأئمة الأربعة- أن مصير هذا المال أن يصرف في مصالح المسلمين العامة كبناء المستشفيات والمدارس والأربطة وسفلتة الطرق أو يعطى للفقراء والمساكين، وهذا مصير كل مال حرام يجهل مالكه، لأنه لا يجوز أن يبقى في يد آخذه بالحرام، إذ اليد أثر للملك ولم يجعل الشرع السبيل الحرام سببًا للتملك، فلم يبق له إلا أن يصرف في المصالح العامة أو إلى الفقراء والمساكين [1] .

واستدلوا على ذللت بما يأتي [2] :

1 -لما نزل قوله تعالى: (الم*غُلِبَتِ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) [3] كذب المشركون وقالوا للصحابة: ألا ترون ما يقول صاحبكم، يزعم أن الروم ستغلب، فخاطرهم -أي: راهنهم- أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله، فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر بما قامرهم به، قال عليه صلاة والسلام:"هذا سحت، فتصدقْ به"وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول صلى الله عليه وسلم له في المخاطرة مع الكفار [4] .

وجه الاستدلال: أن القمار مال حرام لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أن يتملكه، وبين له مصرفه، وهو التصدق به في وجوه البر والإحسان.

2 -أن ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية، فذهب صاحبها -أي: ولم يأخذ الثمن- فتصدق بثمنها، وقال: اللهم عن صاحبها، فإن كره فلي وعلي الغُرم [5] .

وجه الاستدلال: أن ابن مسعود لما عجز عن معرفة صاحبه ليؤدي له حقه، وهو ليس بملكه، تصدق به بنية الأجر لصاحبه، فدل ذلك على جواز التصدق بما لا حق للإنسان في تملكه، وأن ذلك هو سبيله.

(1) الدر المختار 4/ 283، الذخيرة للقرافي 13/ 320، إحياء علوم الدين للغزالي الشافعي 2/ 144، القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب الحنبلي من224 وما بعدها، السياسة الشرعية لابن تيمية ص 40.

(2) إحياء ضوء الغزال 2/ 144.

(3) الروم: 1 - 3.

(4) قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الأحياء: حديث مخاطرة أبي بكر للمشركين بإذنه صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: (الم غلبت الروم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا سحت، فتصدق به) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس وليس فيه أن ذلك كان بإذنه، والحديث عند الترمذي في أبواب تفسير القرآن 1913 وحسنه، والحاكم في المستدرك 2/ 410 وصححه دون قوله (هذا سحت ... ) قلت قد ذكر قوله (هذا سحت ... ) في رو ابن أبي هاشم كما ذكرها، ابن كثير في تفسيره 3/ 433، وقد سبق تخريجه من 20.

(5) رواه البيهقي في السنن 6/ 188. والشافعي في الأم 4/ 72. قال ابن التركماني في الجوهر النقي على سنن البيهقي 6/ 188: في سنده مجهول، ثم ساق أثارًا صحيحة عن ابن عباس وابن عمر وأم سلمة تقويه وتعضده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت