فهرس الكتاب
3 -أن هذا المال الحرام طالما أنه غير مملوك لآخذه، فإما أن يتلف وإما أن يتصدق به، وليس ثمة سبيل آخر، وإتلاف المال وإضاعته ولو لم يكن له مالك معين لا يجوز شرعًا، ولذلك أمر الشرع بالتقاط الشاة الضائعة لأنها إما للملتقط أو للذئب أو للهلاك، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق من سبيل إلا أنه يصرف في مصالح المسلمين أو يتصدق به فينتفع به الفقراء والمساكين.
القول الثاني: أن التحلل من المال الحرام الذي لا يعرف له مالك يكون بإتلافه بالحرق أو رميه في البحر أو الصحراء أو الخراب من البيوت، ولا يجوز الانتفاع به في مصالح المسلمين أو التصدق به على الفقراء والمساكين، وممن قال بهذا الفضيل بن عياض حيث نقل الغزالي عنه أنه وقع في يده درهمان، فلما علم أنهما على غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال: لا أتصدق إلا بالطيب، ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي. وقد سمى ابن تيمية أمثال هؤلاء بالغالطين من المتورعة، حيث وُجِد منهم حُسنُ القصد وصدق الورع، لا صواب العمل [1] .
وحجة هؤلاء ما يلي:
1 -أن المال الحرام ليس مملوكًا لمن تحت يده حتى يكون له حق التصرف فيه بصرفه في مصالح المسلمين، أو التصدق به على الفقراء والمساكين.
2 -أن التصدق إنما يكون بالطيب، لا بالخبيث، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، والله عز وجل يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) ... الآية [2] .
والراجح في المسألة -والله أعلم- هو قول الجمهور، لما ذكروا من الأدلة، ولأن عاقلًا لا يشك بأن التحلل من المال الحرام والتخلص من إثمه بإعطائه إلى من ينتفع به من الفقراء والمساكين أو صرفه في جهة المصالح العامة أسلم من إتلافه، ولهذا لما دعي النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه إلى شاة أخذت بغير إذن أهلها، ولم يستطع لَوْكَها واستساغتَها تركها وقال:"أطعموها الأسارى" [3] ولم يأمر بإتلافها وإراقتها، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن الله كره"
(1) الأحياء للغزالي 2/ 144، مجموع الفتاوى لابن تيمية 28/ 596.
(2) البقرة: 267.
(3) رواه أحمد 5/ 294، قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث 2/ 144: إسناده جيد.