لذا من أقوال فقهاء الإسلام: إن الدليل فدية الحق ولو لا الإثبات لضاعت الحقوق ، وهتكت الأنفس ، وقولهم: الشهادة سبب إحياء الحقوق وهي بمنزلة الروح للحقوق ، وهذه الأهمية للإثبات عامة في جميع الحقوق سواء أكانت عامة أم خاصة ، مالية أم عائلية مادية معنوية أم أدبية ، يلجأ إليها الأفراد في كل نزاع ، ويستند عليها القاضي في كل قضية ومن هنا: فإن الشريعة وهي تلمس أهمية الإثبات ، ومكانته في المجال القضائي ، قد عنيت بتنظيم أحكام الإثبات ، والوسائل الشرعية له ، وطرق استعماله بما لم يوجد في غيره من النظم السابقة أو اللاحقة ، من حيث تكاملها في ذاتها ، وتميزها عن غيرها وبناء على هذا المبدأ سأعرض أهم خصائص الإثبات في القضاء الشرعي فيما يلي:
الميزة الأولى: أن الشريعة الإسلامية أقرت بعض الطرق الإثباتية القائمة على الحجة والبرهان وعلى دعائم العدل والعقل وقضت على الوسائل البدائية وطرق الشعوذة وألاعيب الكهان ومنعت القضاء الشخصي القائم على القوة وغيرها من الطرق التي سلكتها البشرية وما تحوى عليه من سذاجة وخرافة وبدع وضلالات ، تلك الطرق التي مرت بمراحل متعددة يجملها ما يلي:
1-عهد القضاء الشخصي الذي يعتمد على القوة ، فكل شخص يقضي لنفسه بنفسه وينتقم لنفسه من خصمه بدون دليل ولا برهان وإنما لمجرد القوة الشخصية فيستعين الشخص بأقاربه وقد تهب القبيلة لنجدته سواء كان ظالما أو مظلوما كما قال الشاعر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا .
ولذا فقد يستخدم السحر والغدر والترصد للإيقاع بالخصم بأية وسيلة .
2-طريقة الامتحان الإلهي بأن يعطون المتهم السم أو يلقونه في النهر أو يصبون عليه الزيت أو الماء المغلي أو يعرض لبعض الثعابين ، فإن لم تؤثر عليه هذه المحاولات ثبتت براءته وإلا ثبت عليه الجرم ، وقد بقي هذا معمولًا به في انكلترا حتى القرن الثالث عشر عام 1215هـ