فهرس الكتاب
ذلك أن التأخير في إصدار الأحكام بعد توافر أسبابها، وانتقاء موانعها يترتب عليه من المفاسد، وضياع الحقوق الشيء الكثير، فكم من إنسان يترك حقه خوفًا من إهدار وقته، وماله في التقاضي الذي يعلم تهربه من إصدار الحكم. ومن قواعد الشريعة"لا ضرر ولا ضرار (73) ، قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله: ( بقي علينا إكمال القول في مقصد التعجيل بإيصال الحقوق إلى أصحابها وهو مقصد من السمو بمكانه ، فإن الإبطاء بإيصال الحق إلى صاحبه عند تعينه بأكثر مما يستدعيه تتبع طريق ظهوره يثير مفاسد كثيرة، منها: حرمان صاحب الحق من الانتفاع بحقه ، وذلك إضرار به ، ومنها إقرار غير المستحق على الانتفاع بشيء ليس له وهو ظالم للمحق ..ومنها استمرار المنازعة بين المحق والمحقوق وفي ذلك فساد حصول الاضطراب في الأمة ، فإن كان في الحق شبهة للخصمين ولم يتضح المحق، من المحقوق ففي الإبطاء مفسدة بقاء التردد في تعيين صاحب الحق وقد يمتد التنازع بينهما في ترويج كل شبهته، وفي كلا الحالين تحصل مفسدة تعريض الأخوة الإسلامية للوهن والانخرام ، ومنها تطرق التهمة إلى الحاكم في تريثه بأنه يرد إملال المحق حتى يسأم متابعة حقه، فيتركه فينتفع المحقوق ببقائه على ظلمة فتزول حرمة القضاء من نفوس الناس، وزوال حرمته من النفوس مفسدة عظيمة"(74) .
المحور الثاني: سرعة البت في القضايا مشروط بشرط أساس، وهو أن يكون ذلك بعد دراسة القضية دراسة عميقة واعية، ناشئة عن الفهم الشرعي للقضية، أما إذا لم يستوف فيها ما يجب استيفاؤه من طرق بيان الحق، فحينئذٍ الإسراع بالفصل بين الخصمين ليس محمودًا .