الصفحة 22 من 78

ذهب أبو محمد بن حزم إلى أنه لا هدي على القارن، وأيد قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: (خرجنا مع رسول الله ^ موافين لهلال ذي الحجة، فكنت فيمن أهل بعمرة، فخرجنا حتى قدمنا مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبي ^، فقال: دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج. قالت: ففعلت، فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا، أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني وخرج إلى التنعيم فأهللت بعمرة، فقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم) (1) .

وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس، والذي عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم أن القارن يلزمه الهدي كما يلزم المتمتع؛ بل هو متمتع حقيقة في لسان الصحابة، وأما هذا الحديث فالصحيح أن هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة، جاء ذلك في صحيح مسلم مصرحًا به، فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ل... فذكرت الحديث وفي آخره: قال عروة في ذلك: إنه قضى الله حجها وعمرتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة. (263)

قال أبو محمد بن حزم: $إن كان وكيع جعل هذا الكلام -أي: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة- لهشام؛ فابن نمير وعبدة أدخلاه في كلام عائشة، وكل منهما ثقة، فوكيع نسبه إلى هشام لأنه سمع هشامًا يقوله، وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته، فقد يروي المرء حديثًا يسنده ثم يفتي به دون أن يسنده، فليس شيء من هذا بمتدافع، وإنما يتعلل بمثل هذا من لا ينصف، ومن اتبع هواه، والصحيح من ذلك: أن كل ثقة فمصدق فيما نقل، فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة صدقا لعدالتهما، وإذا أضافه وكيع إلى هشام صدق أيضًا لعدالته، وكلٌّ صحيح، وتكون عائشة قالته، وهشام قاله#.

(1) رواه مسلم (1211) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت