الثاني: أنه انقياد، من قولهم: لببت الرجل، إذا قبضت على تلابيبه، والمعنى: انقدت لك، وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة، كما يفعل بمن لُب بردائه وقُبض على تلابيبه.
الثالث: أنه من لب بالمكان، إذا قام به ولزمه، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها.
الرابع: أنه من قولهم: داري تلب دارك، أي: تواجهها وتقابلها، أي: مواجهتك بما تحب متوجه إليك.
الخامس: معناه: حبًا لك بعد حب، من قولهم: امرأة لبة، إذا كانت محبة لولدها.
السادس: أنه مأخوذ من لب الشيء، وهو خالصه، ومنه لب الطعام، ولب الرجل عقله وقلبه، ومعناه: أخلصت لبي وقلبي لك، وجعلت لك لبي وخالصتي.
السابع: أنه من قولهم: فلان رخي اللبب، وفي لب رخي، أي: في حال واسعة منشرح الصدر، ومعناه: أنا منشرح الصدر، متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها، متوجه إليك بلبب رخي يوجد المحب إلى محبوبه، لا بكره ولا تكلف.
الثامن: أنه من الإلباب، وهو الاقتراب، أي: اقترابًا إليك بعد اقتراب، كما يتقرب المحب من محبوبه. (252)
(سعديك) من المساعدة، وهي المطاوعة، ومعناه: مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة. و (الرغباء إليك) معناها: الطلب والمسألة والرغبة. (253)
اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة:
إحداها: أن قولك: لبيك، يتضمن إجابة داعٍ دعاك ومنادٍ ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.
الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم، ولا يقال: لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه، ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب، وأنها من قولهم: امرأة لبة، أي: محبة لولدها.
الثالثة: أنها تتضمن التزام دوام العبودية؛ ولهذا قيل: هي من الإقامة، أي: أنا مقيم على طاعتك.
الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والذل، أي: خضوعًا بعد خضوع، من قولهم: أنا ملب بين يديك، أي: خاضع ذليل.
الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص؛ ولهذا قيل: إنها من اللب وهو الخالص.