قوله ^ في حديث الحجاج بن عمرو: (من كسر.. وعليه الحج من قابل) (1) ، هذا إذا لم يكن حج الفرض، فأما إن كان متطوعًا فلا شيء عليه غير هدي الإحصار. (316)
اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم فيمن منع من الوصول إلى البيت بمرض أو كسر أو عرج: هل حكمه حكم المحصر في جواز التحلل؟ فروي عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم أنه لا يحلله إلا الطواف بالبيت، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في المشهور من مذهبه، وروي عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدو، وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة وأصحابه. ومن حجة هؤلاء: حديث الحجاج وأبي هريرة وابن عباس (2) ، قالوا: وهو حديث حسن يحتج بمثله، قالوا: وأيضًا ظاهر القرآن بل صريحه يدل على أن الحصر يكون بالمرض، فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض؛ يقال: أحصره المرض، وحصره العدو، فيكون لفظ الآية صريحًا في المريض، وحصر العدو ملحق به، فكيف يثبت الحكم في الفرع دون الأصل؟ قالوا: وعلى هذا خرج قول ابن عباس: (لا حصر إلا حصر العدو) (3) ، ولم يقل: لا إحصار إلا إحصار العدو، فليس بين رأيه وروايته تعارض، ولو قدر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه؛ لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة. قالوا: وأما قولكم: إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها، ولا التخلص من أذاه، بخلاف من حصره العدو -فكلام لا معنى تحته، فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيد المحصر بالعدو؛ فإنه إذا بقي ممنوعًا من اللباس وتغطية الرأس والطيب مع مرضه؛ تضرر بذلك أعظم الضرر في الحر والبرد، ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترفه ما يكون سبب زوال أذاه، كما يستفيد المحصر بالعدو بحله، فلا فرق بينهما، فلو لم يأت نص بحل المحصر بمرض لكان القياس على
(1) رواه الترمذي (940) وقال: حسن صحيح، وأبو داود (1862) ، والنسائي (2860) ، وابن ماجه (3077) .
(2) راجع السنن باب الإحصار.
(3) قال ابن حجر في التلخيص (3/934) : رواه الشافعي بإسناد صحيح.