فهرس الكتاب
-ومن آداب الدعاء: استحباب إخفاء الدعاء. قال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) ] الأعراف 55[.فأمر الله سبحانه، عباده أن يجتهدوا في دعائه مع إسرارهم وإخفائه وعدم رفع الصوت به. وفي إخفاء الدعاء أدب وإخلاص بالغان، يقربان من إجابة دعاء الداعي.
قال ابن تيمية: ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، أي ما كانت إلا همسًا بينهم وبين ربهم عز وجل يقول: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) ]الأعراف 55[
وأنه ذكر عبدًا صالحًا ورضي بفعله، فقال: (إذ نادى ربه نداء خفيا) ]مريم3 [[1] .
فائدة: في إخفاء الدعاء فوائد عديدة: ذكر شيخ الإسلام جملة منها نذكر ملخصها:
أحدها: أنه أعظم إيمانًا، لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.
وثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم، لأن الملوك لا ترفع الأصوات عندهم، ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلي، فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به. وثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع. ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص. وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرقه. وسادسها: وهو من النكت البديعة جدًا - أنه دال على قرب صاحبه للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد، ولهذا أثني الله على عبده زكريا بقوله عز وجل: (إذ نادى ربه نداء خفيا) ]مريم3 [. وسابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل، والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته، فإنه قد يمل اللسان، وتضعف قواه. وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات. وتاسعها: أن أعظم النعم الإقبال والتعبد، ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة. وعاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه وتعالى، متضمن للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه، فهو ذكر وزيادة. اهـ[2] .
(1) الفتاوى (15/ 15) .
(2) الفتاوى (15/ 15 - 18) بتصرف يسير.