فهرس الكتاب
أما ما أشرت إليه من الآيتين الكريمتين: قوله تعالى: { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ } [ التكوير: 29 . ] ، وقوله: { وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف: 29 . ] ؛ فهذا يؤيد ما ذكرنا؛ لأن الله أثبت للعبد مشيئة واختيارًا، وأثبت لنفسه سبحانه وتعالى مشيئة، وجعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله عز وجل، فدلت الآية الكريمة على إثبات المشيئتين: إثبات المشيئة للعبد، وإثبات المشيئة لله، وأنَّ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله عز وجل .
وأما قوله تعالى: { فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ؛ فهذا ليس معناه التَّخيير، بل هذا معناه الزَّجر والتهديد والتوبيخ؛ قال تعالى: { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } ؛ هذا معناه التهديد والتوبيخ، وأنَّ الإنسان إذا عصى الله سبحانه وتعالى، وكفر بالله؛ فإنَّ الله يعاقبه؛ لأنه فعل الكفر باختياره، وفعل الكفر بإرادته ومشيئته؛ فهو يستحقُّ عقاب الله ودخول النار: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } ؛ فهو سبحانه أعدَّ لهم هذه النار لظلمهم .
35 ـ ما المقصود بقوله تعالى في سورة هود: { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } [ هود: 34 . ] .
يقول نوح عليه السلام لقومه: عن كان الله سبحانه وتعالى أراد إضلالكم ودماركم بسبب كفركم وإعراضكم؛ فلا رادَّ لقضائه .
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في"تفسيره":"أي: إنَّ إرادة الله غالبة، فإنه إذا أراد أن يُغويكم لردِّكم الحق؛ فلو حرصت غاية مجهودي ونصحت لكم أتمَّ النُّصح - وهو قد فعل عليه السلام -؛ فليس ذلك بنافع لكم شيئًا" (25) انتهى .