الصفحة 112 من 233

جاءت الجملة التي فعلها ماضٍ في التعبير القرآني دالّة على أفعاله ـ تعالى ـ وعلى آثار قدرته لما تشير إليه صيغة (فعل) من الدلالة على الحدث المتجدد المقطوع به الذي له دلالة القطع أو التأكيد أو التثبيت [1] ، فالتثبيت (( الذي هو سمة فعلية خاصة بصيغة الماضي يقابل الثبوت أو الجمود الذي هو سمة اسمية ) ) [2] وهذا ما جعل الجملة التي فعلها ماضٍ قادرة على التعبير عن أفعاله ـ تعالى ـ، لأنّ أفعاله حاصلة ثابتة على مر الزمن، وجيء بها لحث الكفار على الاعتبار والتفكر في أنّ من قام بهذه الأفعال قادر على أي شيء، وثبوت هذه الأفعال يعني أنها خالدة مجردة من الزمن، وبعبارة أخرى إنّ الأفعال الماضية الدالّة على قدرة الله تعالى لا تخضع لعنصر الزمن ويتلاشى فيها مفهوم الانقطاع ففي قوله تعالى:

(( أنزل لكم من السّماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ) ) [النمل/ 60] .

فالفعلان (أنزل) ، و (أنبت) أفعال خالدة حاصلة على مر الزمن، وليست حصرًا على زمن دون غيره، فافتقرت بذلك إلى عنصر الزمن، وجاء تلون الخطاب من الغيبة إلى التكلم عن ذاته في قولنا (فأنبتنا) لنكتة هي تأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته والإيذان بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع حسنها وبهجتها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده )) [3] فالأفعال الماضية دلت على قدرته تعالى للاعتبار، وللتنبيه على أحقية الله بالعبادة فهو القادر على كل شيء وقد يذكر الله سبحانه أفعالًا معينة حصلت للأمم الماضية وتحصل للأقوام المتوجّه لهم الخطاب، والمراد من ذكرها الانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة وذلك في قوله تعالى:

(( وأرسلنا السّماء عليهم مدرارًا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنًا آخرين ) ) [الأنعام/ 6] .

(1) ينظر الصيغ الزمنية في اللغة العربية 68.

(2) المصدر نفسه 50.

(3) الكشاف3/ 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت