فهرس الكتاب
ذكر الله ـ سبحانه ـ في الآية إنعامه على القرون السالفة بقوله (أرسلنا السّماء عليهم مدرارًا) ففعل الإرسال قد حصل لهذه الأمم، وكذلك قوله (وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم) والمقصود من ذكر هذه الأفعال أنّهم وجدوا منافع الدنيا أكثر ممّا وجده أهل مكة، وهذه النعم مع كثرتها لم تمنع أن ينعتوا بالكفر، وذكر هذه الأفعال يستوجب من كفار مكة اليقظة والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة [1] .
وقد تأتي الجمل التي فعلها ماضٍ لصرف المشركين عمّا هم فيه من الشرك نحو قوله تعالى: (( خلق السّموات والأرض بالحقّ تعالى عمّا يشركون(خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ) ) [النمل/ 3_4] .
فتكررت الجملة التي فعلها ماض (خلق) للتنبيه على أنّ كلّ واحدة منها كافية في صرف المشركين عما هم فيه من الشرك [2] . وجيء به ماضيًا للدلالة على حصوله، وللتأكيد أنّ هذا الفعل لا يقدر عليه إلا الله، فالتركيز هنا على الحدث دون الزمن وهو حدث ثابت حاصل.
إنّ أغلب الأفعال الماضية في آيات المحاجة جيء بها للفت انتباه المشركين إلى أنّ الله وحده هو القادر على هذه الأفعال، لذا نرى أنّ هذه الأفعال تفتقر لعنصر الزّمن ويتم التركيز فيها على عنصر الحدث لأنّه المراد، وهو حدث ثابت حاصل على مرّ الزمن، غير أنّ المشركين غافلون عنه لذا تأتي الجملة التي فعلها ماضٍ لتحيي أمامهم أفعالًا ينبغي أن يستدلّوا من خلالها على وجود الله وعلى قدرته نذكر من ذلك قوله تعالى:
(( والله الذّي أرسل الرّياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلدٍ ميّت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ) ) [فاطر/ 9] .
فـ (( السياق يحيي المشهد بإعطائه الدلالة المنسية(والله الذي أرسل الرياح) (فسقناه) .. (فأحيينا) ثم يصل إلى دلالة خاصة، مطلوبة هنا بالذات ومن أجلها يسوق هذا المشهد بصفة خاصة، ويزيل عنه الفه المكرور أ ليست هذه الأرض
(1) ينظر التفسير الكبير 12/ 159.
(2) ينظر صفوة البيان 342.