فهرس الكتاب
قوله تعالى: (( قال له صاحبه وهو يحاوره أ كفرت بالّذي خلقك من ترابٍ ثم من نطفةٍ ثم سوّاك رجلًا ) ) [الكهف/ 37] .
هذه محاورة بين المؤمن والكافر، أراد المؤمن فيها أن ينبه الكافر على أصل نشأته وإيجاده بعد العدم فجاء بالجملة التي فعلها ماضٍ (خلقك من تراب) ثم نبّهه على تسويته رجلًا، وهو خلقه معتدلًا صحيح الأعضاء فقال (ثم سواك رجلا) [1] وجيء بالجملة التي فعلها ماضٍ ـ هنا ـ لخاصيتها في التعبير عن انقطاع الحدث وهو حصوله قبل زمن الكلام، فالخلق والتسوية كانا قبل زمن المتكلم وجيء بهما لتنبيه الكافر عن أن يتعظ فيرجع إلى الإيمان بربّه.
ومن دلالة الماضي على التنبيه والتذكير قوله تعالى:
(( فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النّشأة الآخرة ) ) [العنكبوت/ 20] .
فقوله (بدأ الخلق) جيء به للتنبيه والتذكير على إمكان البعث أي (( إن كان ليس لكم علم بأن الله في كل حال يبدأ خلقًا فانظروا إلى الأشياء المخلوقة ليحصل لكم علم بأن الله بدأ خلقًا، ويحصل المطلوب من هذا القدر فإنه ينشئ كما بدأ ذلك ) ) [2] .
يتضح لنا فيما تقدم أنّ للجملة التي فعلها ماضٍ دلالات زمنية متعددة، فهي تدلّ على الخلود الزمني الممتد في علم الله وذلك حين تأتي دالّة على أفعاله تعالى، وتدلّ على الزمن الماضي حين تأتي على أصل استعمالها فضلًا عن ذلك قد تفتقر إلى العنصر الزمني لتنصرف إلى الحدث لأهميته ولضرورة التركيز عليه، وقد يتلاشى العنصران الزمن والحدث لتشير الجملة التي فعلها ماضٍ إلى أمر ذي بال فتصف حالة غريبة ينبغي الإصغاء إليها والتفكر بها لتكون الحجة على الكافر بالغة داحضة له وبذلك يمكن أن نقول: أنّ الفعل الماضي يستمد دلالته الزمنية أو الحدثية أو الوصفية من السياق بما تتوافر فيه من الضمائر والقرائن التي تعين على تحميله تلك الدلالات.
(1) ينظر البحر المحيط 6/ 127.
(2) التفسير الكبير 25/ 48.