فهرس الكتاب
ذكرنا ـ سابقًا ـ أنّ الفعل المضارع تتعدد دلالته الزمنية منها إنّه (( يدلّ على الحال أي على وقوع الحدث الآن، هذه دلالته الأصلية. ومن هنا كانت صيغته أقدر الصيغ على تصوير الأحداث لأنها تحضر مشهد حدوثها وكأنّ العين تراها وهي تقع ) ) [1] . والفعل المضارع لا يصور الحدث وحده ما لم يعضد ذلك السياق، ففي قوله تعالى:
(( هو الّذي أنزل من السّماء ماءً فأخرجنا نبات كلّ شيء فأخرجنا منه خضرأ نخرج منه حبًّا متراكبًا ) ) [الأنعام/ 99] .
فالتركيب مجتمعًا يعرض آية من آيات القدرة، فجيء بالفعل الماضي (أنزل) مجردًا من الضمير، لأنّ إنزال المطر وحده لا يوحي بشيء لافت للنظر، في حين جاء الفعل الماضي (أخرج) متصلًا بضمير المتكلمين (( إظهارًا لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله أي فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماء مع وحدته ... ) ) [2] ثم جيء بالمضارع في قوله (نخرج منه) (( لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة أي نخرج من ذلك الخضر ) ) [3] . ومثله قوله تعالى:
(( والله الّذي أرسل الرّياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلدٍ ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النّشور ) ) [فاطر/ 9] .
فجيء بالمضارع ـ فتثير ـ وقد جاء ما قبله وما بعده على الماضي وذلك لـ (( تستحضر تلك الصور البديعة الدّالّة على القدرة الرّبانيّة وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب أو تهمّ المخاطب أو غير ذلك ) ) [4] ومن ذلك قوله تعالى:
(1) خصائص التركيب 206.
(2) إرشاد العقل السليم 2/ 184.
(3) المصدر نفسه.
(4) أضواء على متشابهات القرآن 2/ 132.