الصفحة 130 من 233

(( وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم أفلا تعقلون ) ) [البقرة/ 76] .

فمعنى التركيب: أ تخبرونهم بأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ذكره موجود في كتابكم وصفته لتكون لهم الحجّة في إيمانهم بالنبي عليكم، إذ كنتم مقرين به تخبرون بصحة أمره من كتابكم [1] ، فقد جاء قوله (أ تحدثونهم) (( إنكارًا عليهم أن يفتحوا عليهم شيئًا في كتابهم ) ) [2] . فالتحدث بحد ذاته يستدعي الإنكار عندهم، فكيف إذا كان التحديث يفضي إلى الحجاج (( فقوله(ليحاجّوكم) متعلقة بالتحديث دون الفتح والمراد تأكيد النكير وتشديد التوبيخ، فإن التحديث بذلك وإن كان منكرًا في نفسه لكن التحديث به لأجل هذا الغرض ممّا لا يكاد يصدر عن العاقل )) [3] .

ومن ذلك قوله تعالى:

(( أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدي إلا أن يهدى ) ) [يونس/ 35] .

فجيء بجملتين تتضمنان حالتين مختلفتين: حالة من يهدي إلى الحقّ وهو الله سبحانه جاء في قوله (أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتّبع) فصيغت بأسلوب الاستفهام ـ لإفادة تقرير هداية الله سبحانه للحق [4] ـ لأنه يخاطب العقل وبذلك يكون أبلغ في التأثير، فالذي يهدي إلى الحق حقيق بأن يتبع، ثم تأتي الحالة الثانية، وهي حالة الأوثان في قوله (أ مّن لا يهدي إلا أن يهدى) (( والاستثناء في قوله(إلا أن يهدى) تهكم من تأكيد الشيء بما يشبه ضده. وأريد بالهدي النقل من موضع إلى موضع أي لا تهتدي إلى مكان إلا إذا نقلها الناس ووضعوها في المكان الذي يريدونه لها )) [5] وذلك غاية في التهكم إذ (( بيّن الله بهذا عجز الأوثان والأصنام حتى عن حالها في أنفسها ) ) [6] .

(1) ينظر معاني القرآن وإعرابه 1/ 158.

(2) الكشاف 1/ 77.

(3) إرشاد العقل السليم 1/ 142.

(4) ينظر التحرير والتنوير 10/ 162.

(5) التحرير والتنوير 10/ 162.

(6) صفوة البيان 277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت