الصفحة 132 من 233

فالأداة دخلت في سياق يتضمن النفي الأبدي كما يشير إلى ذلك النّص المذكور آنفًا، ومن ذلك قوله تعالى: (( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ) ) [النساء/72] .

فـ (لن) (( تأكيد على نفي ألوهية المسيح مطلقًا ) ) [1] أي لن يمتنع المسيح أن يكون عبدًا لله [2] . ولا شك في أنّ النفي ـ هنا ـ أبديّ ويمكن أن نستخلص من النصين السابقين أن (لن) في آيات المحاجة يكون فيها النفي مؤكدًا، لأن فيها زيادة تأكيد وتشديد [3] ودلالتها على الأبدية خاضعة للسياق، أما دلالتها على الاستقبال فهو معنى أصيل فيها [4] .

النفي بـ (لا) :

استعملت (لا) لنفي المضارع في آيات المحاجة أكثر من الأدوات الأخرى، وهذا أمر طبيعيّ إذا ما علمنا أنّ (( النافية للمضارع هي أكثر أنواع(لا) استعمالًا، ونصف ما ورد في القرآن الكريم من هذا النوع )) [5] . وقد ذهب النحويون إلى أنّ (لا) تنفي المضارع فتخلصه للاستقبال جاء في الكتاب: (( وإذا قال: هو يفعل ولم يكن الفعل واقعًا، فنفيه: لا يفعل، وإذا قال: ليفعلن، فنفيه لا يفعل ) ) [6] . إنّ تحديد الدلالة الزمنية للأداة (لا) لا يكون دقيقًا ما لم تدخل في سياق معين، فالسياق هو الذي يحدد هذه الدلالة ففي قوله تعالى: (( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) ) [الأنعام/ 103] دلت (لا) في النفي على مطلق الزمن، فالمضارع ـ هنا ـ من الشمول والاتساع بحيث يشمل الأزمنة الثلاثة [7] ، وفي قوله (لا تدركه) ليس النفي حسب بل إن

(1) مواهب الرحمن 10/ 225.

(2) ينظر التبيان في تفسير القرآن 3/ 404.

(3) ينظر إرشاد العقل السليم 1/ 82.

(4) ينظر أساليب النفي في القرآن 118.

(5) إحياء النحو 135، وأساليب النفي في العربية 35.

(6) الكتاب 3/ 117.

(7) ينظر التفسير الكبير 13/ 126، وأساليب النفي في القرآن 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت