الصفحة 133 من 233

استحضار الإدراك لا يقع، أي: المراد نفي الحدث مهما تجدد .. ولذلك جاءت مقابلته بالجملة الاسمية وخبرها مضارع مرفوع، أعني نفي (لا تدركه) في صيغة المضارع المتصور الماثل حدثه.

ومن ذلك قوله تعالى:

(( واتّخذوا من دونه آلهةً لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا ولا يملكون موتًا ولا حيوةً ولا نشورًا ) ) [الفرقان/ 3] .

ففي قوله (لا يخلقون شيئًا) دلّت (لا) على النفي المطلق، فلا يمكن للآلهة أن تخلق شيئًا في يوم، في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، فضلًا عن إفادتها انتفاء الحدث مهما تجدد، لذا جيء بعدها بجملة اسمية فعلها مضارع (وهم يخلقون) وزيادة في توكيد الانتفاء تكررت (( واعتمدت(لا) على نفي الشيء وضده في الوقت نفسه )) [1] وجاء الانتفاء ـ هنا ـ للوصول إلى نتيجة مفادها (( إذا كانت تلك الآلهة المتخذة من دون الله لا تملك شيئًا في هذا الوجود الرحب فما قيمتها ) ) [2] .

وقد تتكرر (لا) ويمثل تكرارها تقسيمات عقلية مفضية إلى الوقوف والتأمل ففي قوله تعالى على لسان إبراهيم (عليه السلام) :

(( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا ) ) [مريم/ 42] .

أفهم إبراهيم أباه في عدم جدوى هذه الآلهة من خلال إفادتها انتفاء الأحداث (السمع) و (البصر) و (الإغناء) في الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، فلا يمكن للآلهة أن تتصف بأحد هذه الأحداث في يوم، و (( النفي بتكرار(لا) في الآية أكثر توكيدًا وإثباتًا للنفي ممّا إذا قيل مثلًا (لا يسمع أو يبصر أو يغني .. ) أو أجمل معناها جميعًا في كلمة واحدة كأن يقال (ليست بشيء ) )) [3] .

(1) أساليب النفي في القرآن 63.

(2) المصدر نفسه.

(3) نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت