فهرس الكتاب
ثانيًا: حجية دفاتر البيّاع والصرّاف والسمسار
ذكر الفقهاء بعض حالات الكتابة التي تصدر من الأفراد العاديين وأقروا فيها قوة الإثبات. وصحة الاعتماد عليها واعتبروها وسيلة لإثبات ما ورد فيها من غير إشهاد عليها وبدون توثيق أو تسجيل لدى المحاكم أو لدى الدوائر الرسمية ودون تكليف من الكاتب (الأمين) أو القاضي المختص، ومن هذه
الحالات: دفاتر التجار والصراف والسمسار وخط المورث وإرسال الرسائل [1] .
قرر العلماء من الحنفية أن ما دُوّن من قبل البياع والصراف أو السمسار واعتبروا ما دُوّن في دفاترهم حجة عليهم يعمل بها وحدها دون حاجة إلى انضمام شيء آخر معها، ولا يشترط فيها أن تكون منظمة بل يكفي كتابتها حسب العرف الجاري [2] .
واستندوا في مشروعيتها على العرف والعادة. فإن التجار يكتبون في دفاترهم ما لهم وما عليهم ويستبعد جدًا أن يكون هناك من يكتب في دفاتره التجارية للتسلية أو التجربة أو الهزل. فانتفاء الشبه مضمون فيه وقد جرت عادة التجار بكتابة شئون تجارتهم وتسجيلها في دفاتر خاصة فما وجد في دفاترهم يكون حجة عليهم ويجب العمل بما فيه دفعًا للمشقة في إحضار الخصوم وكتابتها في محررات عرفية أو رسمية وصيانة لحقوق العباد.
وتقتصر حجية هذه الدفاتر على إثبات الحقوق والديون التي تترتب في ذمتهم للآخرين أما حقوقهم وديونهم لدى الناس فلا يحتج عليهم بالدفتر لأنه لا يعقل من المدعي تقديم الدليل الذي كتبه وأعده بنفسه. ولأنه لو نطق بحقه على الآخر لفظًا صريحًا فلا يستحقه بمجرده لما ورد في الحديث الشريف"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أُناس دماء رجال وأموالهم. ولكن البينة على المدعي واليمن على من أنكر" [3] .
وتشمل حجية الدفاتر ما يرسله التجار إلى شركائهم وأبنائهم في البلاد لتعذر الإشهاد في مثله فيكتفون بالمكتوب في الكتاب أو الدفتر يجعلونه فيما بينهم حجة عند تحقق الخط أو الختم وتكون هذه الحجية أيضًا للإيصالات التي يكتبها من له عند آخر أمانة قبله أو له عليه دين فيقر عليه بوصل ذلك إليه. ويختمه بختمه المعروف خصوصًا بين الأعيان والأفراد الذين لا يتمكن من الإشهاد عليهم [4] وقد صرح الحنفية أن حجية هذه الدفاتر تقوم على العرف الشائع بين
(1) د. محمد الزحيلي، وسائل الإثبات، مصدر سابق ص 474.
(2) الأشباه والنظائر، ابن نجيم ص 86؛ الفتاوى الهندية جـ 4 ص 66.
(3) حديث صحيح متفق عليه - اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان جـ 2 ص 192.
(4) نشر العرف ص 43.