ما شعرت بذلك. قال فجاءوني بسويق فقالوا: اشرب وتقيأ، فقلت: لا أفطر، حتى آتي دار إسحاق بن إبراهيم. قال أبي: فنودي بصلاة الظهر فصلينا الظهر، فقال لي ابن سماعة: صليت والدم يسيل من ضربك؟ فقلت: قد صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يثعب دمًا، فسكت عنه.
ثم خلي عنه، فصار إلى المنزل، ووجه إليه برجل من السجن ممن يبصر الضرب والجراحات ويعالج منها، فنظر إليه، فقال لنا: والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط، ما رأيت ضربًا أشد من هذا، لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه. ثم أدخل ميلًا في بعض تلك الجراحات، فقال: لم ينقب، فجعل يأتيه ويعالجه، وقد كان أصاب وجهه غير ضربة، ثم مكث يعالجه ما شاء الله، ثم قال له: إن ههنا شيئًا أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها فيقطعه بسكين معه، وهو صابر لذلك يحمد الله في ذلك، فبرئ منه، ولم يزل يتوجع منه. وكان أثر الضرب بينًا في ظهره إلى أن توفي رحمة الله عليه.
قال أبو الفضل: سمعت أبي رحمه الله يقول: والله لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولوددت أني أنجو من هذا الأمر كفافًا لا علي ولا لي.
قال أبو الفضل فحدثني أحد الرجلين اللذين كانا معه وقد كان هذا الرجل -يعني صاحب الشافعي- صاحب حديث، قد سمع ونظر ثم جال بعد، فقال لي: يا ابن أخي، رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت بعيني أحدًا يشبهه، لقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم، وأنت في موضع تقية. ولقد عطش فقال لصاحب الشراب، ناولني، فناوله قدحًا فيه ماء وثلج، فنظر إليه هنيهة ثم رده عليه. قال: فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وما هو فيه من الهول.