فهرس الكتاب
فلا يعطى دينارا ولا درهما ويبخل الناس بما عندهم حتى يظن الغني أنه لا يكفيه ما عنده ويقطع كل ذي رحم رحمه، فإذا فعلوا ذلك واجتمعت هذه الخصال فيهم حبست الشمس تحت العرش مقدار ليلة كما سجدت واستأذنت من أين تؤمر أن تطلع فلا تجاب حتى يوافيها القمر فتكون الشمس مقدار ثلاث ليال والقمر مقدار ليلتين ولا يعلم طول تلك الليلة إلا المتهجدون وهم حنيفية عصابة قليلة في ذلة من الناس وهوان من أنفسهم وضيق من معايشهم فيقوم أحدهم بقية تلك الليلة يصلي مقدار ورده كل ليلة فلا يرى الصبح فيستنكر ذلك ثم يقول لعلي قد خففت قراءتي إذ قمت قبل حيني فينظر إلى السماء فإذا هو بالليل كما هو والنجوم قد استدارات مع السماء فصارت مكانها من أول الليل ثم يدخل فيأخذ مضجعه فلا يأخذه النوم فيقوم فيصلي الثانية مقدار ورده كل ليلة فلا يرى الصبح فيزيده ذلك إنكارا ثم يخرج فينظر إلى النجوم فإذا هي قد صارت كهيئتها من الليل ثم يدخل فيأخذ مضجعه الثالثة فلا يأخذه النوم ثم يقوم أيضا فيصلي مقدار ورده فلا يرى الصبح فيخرج وينظر إلى السماء فيخنقهم البكاء فينادي بعضهم بعضا فيجتمع المتهجدون في كل مسجد بحضرتهم وهم قبل ذلك كانوا يتواصلون ويتعارفون فلا يزالون في غفلتهم فإذا تم للشمس مقدار ثلاث ليال وللقمر مقدار ليلتين أرسل الله تعالى إليهما جبريل فقال لهما إن الرب يأمركما أن ترجعا إلى المغرب لتطلعا منه فإنه لا ضوء لكما عندنا اليوم ولا نور فيبكيان عند ذلك وجلا من الله تعالى وتبكي الملائكة لبكائهما مع ما يخالطهما من الخوف فيرجعان إلى المغرب فيطلعان من المغرب فبينما الناس كذلك إذ نادى مناد ألا إن الشمس والقمر قد طلعا من المغرب فينظر الناس إليهما فإذا هما أسودان كهيئتهما في حال كسوفهما قبل ذلك لا ضوء للشمس ولا نور للقمر فذلك قول الله عز وجل {إذا الشمس كورت} وقوله {وخسف القمر} وقوله {وجمع الشمس والقمر} قال: فيرتفعان ينازع كل واحد منهما صاحبه حتى يبلغا سهوة السماء وهو منصفهما فيجيئهما جبريل عليه السلام فيأخذ بقرنيهما فيردهما إلى المغرب آفلا ويغربهما في تلك العيون ولكن يغربهما في باب التوبة، فقال عمر بن الخطاب بأبي وأمي يا رسول الله وما باب التوبة؟ قال: يا عمر خلق الله تعالى خلف المغرب مصراعين من ذهب مكللين بالجوهر للتوبة فلا يتوب أحد من ولد آدم توبة نصوحا إلا ولجت توبته في ذلك الباب ثم ترفع إلى الله عز وجل، فقال حذيفة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وما التوبة النصوح؟ قال: الندم على ما فات منه فلا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع، قال حذيفة: يا رسول الله كيف بالشمس والقمر بعد ذلك وكيف بالناس بعد ذلك؟ قال: يا حذيفة أما الشمس والقمر فإنهما يعودان فإذا أغربهما الله في ذلك الباب رد المصراعين فالتأم ما بينهما كأن لم يكن فيما بينهما صدع قط فلا ينفع نفسا بعد ذلك إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ولا تقبل من عبد حسنة إلا من كان قبل محسنا فإنه يجزى له وعليه فتطلع الشمس عليهم وتغرب كما كانت قبل، فأما الناس فإنهم بعد ما يرون من فظيع تلك الآية وعظمها يلحون على الدنيا حتى يغرسوا فيها الأشجار ويشققوا فيها الأنهار ويبنوا فوق ظهورها البنيان، وأما الدنيا فلو أنتج رجل مهرا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى أن تقوم الساعة والذي نفس محمد بيده إن الأيام والليالي أسرع من مر السحاب لا يدري الرجل متى يمسي ومتى يصبح ثم تقوم الساعة فوالذي نفسي بيده لتأتينهم وإن الرجل قد انصرف بلبن لقحته من تحتها فما يذوقه ولا يطعمه وإن الرجل في فيه اللقمة فما يسيغها فذلك قول الله تعالى {ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون} قال: وأما الشمس والقمر فإنهما يعودان إلى ما خلقهما الله منه فذلك قوله تعالى {إنه هو يبدئ ويعيد} فيعيدهما إلى ما خلقهما منه، قال حذيفة: بأبي أنت وأمي فكيف قيام الساعة وكيف الناس في تلك الحال؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حذيفة بينما الناس في أسواقهم أسر ما كانوا بدنياهم وأحرص ما كانوا عليها، فبين كيال يكيل ووزان يزن وبين مشتر وبائع إذ أتتهم الصيحة فخرت الملائكة صرعى موتى على خدودهم، وخر الآدميون صرعى موتى على خدودهم، فذلك قوله تعالى: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون} قال: فلا يستطيع أحدهم أن يرى صاحبه ولا يرجع إلى أهله وتخر الوحوش على جنوبها موتى، وتخر الطير من أوكارها ومن جو السماء موتى، وتموت السباع في الغياض والآجام والفيافي وتموت الحيتان في لجج البحار والهوام في بطون الأرض فلا يبقى من خلق ربنا عز وجل إلا أربعة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت فيقول الله لجبريل مت فيموت، ثم يقول لإسرافيل مت فيموت، ثم يقول لميكائيل مت فيموت، ثم يقول لملك الموت: يا ملك الموت ما من نفس إلا وهي ذائقة الموت فمت فيصيح ملك الموت صيحة فيخر ثم ينادي السموات فتنطوي على ما فيها كطي السجل للكتاب والسموات السبع والأرضون السبع مع ما فيهن لا تستبين في قبضة ربنا تبارك وتعالى كما لو أن حبة من خردل أرسلت في رمال الأرض وبحورها لم تستبن فكذلك السماوات السبع و الأرضون السبع مع ما فيهن لا تستبين في قبضة ربنا عز وجل، ثم يقول الله تبارك وتعالى أين الملوك أين الجبابرة لمن الملك اليوم ثم يرد على نفسه لله الواحد القهار، ثم يقولها الثانية والثالثة ثم يأذن الله للسموات فيتمسكن كما كن ويأذن للأرضين فينسطحن كما كن ثم يأذن الله لصاحب الصور فيقوم فينفخ نفخة فتقشعر الأرض منها وتلفظ ما فيها ويسعى كل عضو إلى عضوه، ثم يمطر الله عليهم من نهر يقال له الحيوان وهو تحت العرش فيمطر عليهم شبيها بمني الرجال أربعين يوما وليلة حتى تنبت اللحوم على أجسامها كما تنبت الطراثيث على وجه الأرض ثم يؤذن له في النفخة الثانية فينفخ في الصور فتخرج الأرواح فتدخل كل روح في الجسد الذي خرجت منه، قال حذيفة: