الصفحة 141 من 189

عرفت الطباعة في فلسطين جمودًا ومراوحة في نفس المستوى على مدى أكثر من ربع قرن بعد دخولها إليها عام 1830، فعدد المطابع فيها ظل محدودًا وشبه مقتصر على مدينة القدس بصفتها عاصمة الولاية والمركز الروحي لأديان البلاد الفلسطينية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية. وظلت في الوقت نفسه إنتاجية المطابع من الكتب محدودة وتكاد تنحصر في الكتب الدينية، وكانت معرفة الناس بالقراءة وعلاقتها بالكتاب شبه معدومة. ويمكن القول على هذا الصعيد إن الطباعة لم تتجاوز الدائرة التي كانت تراوح حولها إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك كاستجابة موضوعية لاتساع أنشطة لجان المطالبة بالإصلاح؛ وتبلور رؤيتها للتغييرات المنشودة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لإرغام الحكومة على القبول بمفهوم تحديث النظام، وكتفاعل موضوعي مع حقائق التطور الملحوظ في مسيرة حركة النهضة القومية العربية وتوضح أهدافها السياسية واتضاح غاياتها الاجتماعية والثقافية.

كانت البلاد العربية في هذه الفترة التي تمتد من بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى إعلان الدستور عام 1908، تطفح بالفصاحة في مواجهة التتريك، وتسقط عن كواهلها بشكل تدريجي كوابيس ثقافة مرحلة الانحطاط. وكانت فلسطين تحاول أن تكون متماثلة معها كذلك؛ ولكن ضمن ظروفها وإمكاناتها الذاتية والموضوعية؛ وبما يساعدها على حمل نصيبها من المسؤولية القومية في حفظ بذور الحياة العربية؛ واختيار الجو الملائم لإنمائها ورعاية شجراتها، والعناية بها حتى تعطي الثمار المرجوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت