الصفحة 142 من 189

كان النظام الإقطاعي يحيط بفلسطين سوارًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، وبارتباطه العضوي بسلطة الأستانة يبلغ درجة تؤهله بكفاءة لأن يكون استبداديًا بجدارة. وكان المحتوى الديني لكيفية الحكم وصوغ علاقات الناس مع بعضها البعض وكذلك طريقة حياتها؛ يتشكل بأشكال هذا النظام فيصوغ ثقافة المجتمع على مدى اتساعه وبمواصفاته.

في هذه الفترة كان رجال الدين هم المرجعية التعليمية للبلاد، ولم يكن من عمل لهم إلا إمامة الناس والتعليم تقريبًا.. ولم يكن للدولة في البلاد مدارس تهيئ لنهضة أدبية، وأنى لها أن يكون لها في الولايات العربية مدارس راقية، ومدارسها في عاصمتها لا تحمل من مميزات المدارس الراقية ألا القشرة والألياف.. وحتى المدارس الأجنبية التي ابتدأت حياتها في البلاد لم تكن تقوم إلا على رجال الدين الأجانب. وهل كان ينتظر من رؤساء الدين؛ وكلهم أجانب لا يعرفون حاجات البلاد ولم يجيئوا إليها إلا لغرض ديني؛ أن يؤسسوا في بلادنا مدارس مثل مدارسهم في بلادهم تتلقى حاجاتنا بقضائها، إن أمر التعليم كان محصورًا في يد الحكومة والمدارس الطائفية. وعلى الأمة أن ترضى بها وتكون من القانعين الشاكرين.

وفي هذا السياق يذكر خليل السكاكيني في كتابه (ما تيسّر) "إن التربية في المدارس الحكومية والطائفية كانت تربية دينية يتعلم فيها الطلاب سلوك الولاء والطاعة لذوي السلطان الديني والدنيوي، وكلما كان التلميذ ناكس البصر، مطأطأ الهامة، كاسف البال، نادمًا، خائفًا، كان أقرب إلى الدين، مما يمكنه من نيل رضى رؤسائه. ولا تزال الآثار الثقافية لتلك الفترة ماثلة حتى الآن، إذ لا يزال رجال الدين بشكل عام يلبسون السواد ويطلقون لحاهم وكأنهم في حداد دائم. ولا يمشون إلا وئيدًا، وعلى وجهوهم علائم القلق والهم والكآبة، كان الضحك والسرور والنشاط وسرعة الحركة وعلو الهمة وسعة الآمال والتشبث بالحياة والإقبال عليها، والاغتباط بها من الكبائر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت