الصفحة 44 من 189

كما أن بعض الوراقين كانوا موظفين دائمين عند علية القوم، ففي مصر علي سبيل المثال كان في خزانة الوزير"أبي الفضل بن الفرات"عدة وراقين، كان في دار الوزير"أبي الفرج يعقوب بن كلس"قوم يكتبون القرآن الكريم وأخرون يكتبون كتب الحديث والفقه والأدب حتى الطب، وكان الوزير ينفق علي من عنده من العلماء والوراقين والمجلدين ألف دينار كل شهر.

وفي الأندلس كان القاضي"أبس المطرف عبد الرحمن بن فطيس"ستة وراقين ينسخون له دائمًا، وكان قد رتب لهم علي ذلك راتبًا معلومًا.

وكثيرًا ما كان الوراقون يلجاون إلي اطلاب وغيرهم للمساعدة في عمليات الاستنساخ حين تضطرهم الظروف لتعجيل عمليات النسخ.

ومهما يكن من أمر فإن حركة الوراقة بلغت مجدها في القرنين الثالث والرابع الهجريين وهي صورة مشرفة تدعو إلي الفخر والإعجاب لأنها تعكس نشاط فكري رائع وتمثل جانبًا مضيئًا ليس فقط في تاريخ الثقافة العربية وإنما في تاريخ الحضارة الإنسانية كلها.

وقد كانت عاصمة العباسيين في ذلك الوقت تتمتع بثراء فكري وكانت سوق الوراقين مركزًا للنشاط العقلي، وكانت حوانيتهم مستودعًا لما أنتجه العرب في شتي فروع المعرفة. وكانت كثرة هذه الحوانيت ورواج سوقها دليلًا واضحا علي خصوبة الفكر العربي.

وإن كان هذا هو الجانب المضي المشع فلا يخلو من جانب مظلم، فلم يكن كل الوراقين من الثقات وأهل العلم والفضل وإنما كان من بينهم من يتصف بالمبالغة والكذب والاختلاق في بعض الأحوال.

ففي حقيقة المر كان بعض الوراقين لا يلتزمون الأمانة العلمية فيما يصنعون، ولا يتحرجون أن يضيفوا إلي الناس ما ليس فيهم، ومن أجل ذلك فقدوا ثقة الناس فيما يكتبون.

ولقد وجدت هذه الفئة مجالًا واسعًا للكسب في كتب الأسحار والخرافات كما يقول أبن النديم.

وليت الأمر يقف عند هذا الحد من الافتعال والتلفيق للقصص والأساطير فقد كان بعض الوراقين لا يتورعون من أن يختلقوا الكتب ويضيفوها إلي العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت