الصفحة 48 من 189

والظاهرة التي تلفت النظر في تلك المجالس أنها كانت تتسم بأمانة علمية منقطعة النظير. فقد حكي أن"أبو الحسن الدار قطني"أنه حضر مجلس إملاء"أبي بكر بن الأنباري"فسمعه يصحف اسمًا أورده في إسناد الحديث فقال"حيان"بدلًا من"حبان"فبقول أبو الحسن"ولما فرغ من إملاءه تقدمت إليه فذكرت له وهمه وعرفته صواب القول فيه وانصرفت ثم حضر الجمعة الثانية مجلسه فقال"أبو بكر"للمستملين عرف جماعة الحاضرين أنا صحقنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية ونبهنا ذلك الشاب علي الصواب وهو كذا، وعرف ذلك الشاب إنا رجعنا إلي الأصل فوجدناه كما قال".

وتلك أرقي مراتب الأمانة العلمية، وأروع مظاهر الخلق العلمي الأصيل.

ولقد تمخضت مجالي الإملاء هذه عن كتب كثيرة ظهرت باسم ألآمالي. وأفرد لها"حاجي خليفة"فصلًا خاصًا بها في"كشف الظنون"وأقدم ألآمالي التي يذكرها أمالي الإمام"أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري"وهي في الفقه ويقال أكثر من ثلاثمائة مجلد.

وبمرور الزمن كثرت تلك ألآمالي وتنوعت، ففي أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع كانت هناك أمالي كثيرة أشهرها:

أمالي ثعلب والزجاج في النحو

أمالي أبن دريد في اللغة

أمالي أبي جعفر البحتري في الحديث

أمالي أبي علي القالي.

وقبل نهاية القرن الرابع ظهرت أمالي"بديع الزمان الهمزاني"وأمالي"أبي طاهر الزيادي".

وفي قرطبة كان القاضي"أبي المطرف عبد الرحمن بن فطيس"يملي الحديث من حفظه في مسجده، ومستمل بين يديه، وعلي غرار ما يفعله كبار المحدثين بالمشرق والناس يكتبون عنه.

علي أن ظاهرة الإملاء لم تستمر بدرجة واحدة بالنسبة لشتي فروع المعرفة. فقبل أن ينقضي القرن الرابع كان إملاء اللغة قد بدأ ينقطع فيما استمر إملاء الحديث بعد ذلك مئات السنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت