فهرس الكتاب
الدنيا لساءك ذهابها فكيف تُفَرِّط في ساعاتك وأوقاتك, وكيف لا تحزنْ على عمرك الذاهب بغير عوض، انتهى [1] .
وقال أبو إسماعيل الهروي في «منازل السائرين» : وإنما تُستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل, ومعرفة الأيام, والسلامة من الأغراض, قال ابن القيم في شرحه «مدارج السالكين» : وأما معرفة الأيام: فيحتمل أن يريد به أيامَه التي تخصه وما يلحقه فيها من الزيادة والنقصان ويعلم قِصَرها وأنها أنفاس معدودة منصرمة كل نفس منها يقابله آلافُ آلافٍ من السنين في دار البقاء, فليس لهذه الأيام الخالية قطُّ نسبةٌ إلى أيام البقاء, والعبد منساق زمنه وفي مدة العمر إلى النعيم أو إلى الجحيم, وهي كمدة المنام لمن له عقل حي وقلب واع, فما أولاه أن لا يصرف منها نفَسا إلا في أحب الأمور إلى الله, فلو صرفه فيما يحبه وترك الأحبَّ لكان مفرطا, فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه, فكيف إذا صرفه فيما يَمقتُه عليه ربه, فالله المستعان ولا قوة إلا به [2] .
ومن شديد حرصهم على الوقت أنهم كانوا يستثقلون الأوقات التي تتطلبها حوائجهم الطبيعية, فيتحيلون في دفعها وتقليلها ما استطاعوا حتى لا تزاحم ما شمروا له من التحصيل.
فقد كان الخليل يقول: أثقل ساعات عليَّ ساعةٌ آكل فيها [3] .
وكان داود الطائي يستف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءةُ خمسين آية, وكان عثمان الباقلاني دائمَ الذكر لله تعالى، فقال: إني وقتَ الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر [4] .
(1) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للسفاريني 2/ 448 - 449
(2) مدارج السالكين 1/ 448
(3) الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه (ص 87)
(4) صيد الخاطر (ص 492)