فهرس الكتاب
يرى أن تضيع لحظةٌ منه في البطالة فذة، يذهلُ عن نفسه ويغيب في لذة العلم عن حسه، لا يطلب أكلا إلا إذا أُحضِر لديه، ولا يرتاح إلى طعام ولا شراب في أبرَديه, قيل: إن أباه وأخاه وأهله وآخرين ممن يلوذون بظله سألوه أن يروح معهم يومَ سبت ليتفرج، فهرب منهم وما ألوى عليهم ولا عرَّج، فلما عادوا آخرَ النهار لاموه على تخلفه وتركِه لاتباعهم وما انفرده من تكلفه، فقال: أنتم ما نزيد لكم شيئا ولا تجدد، وأنا حفظت في غيبتكم هذا المجلد، وكان ذلك كتاب «جنة الناظر وجنة المناظر» [1] ، وهو مجلد صغير، وأمره شهير [2] .
وقد أوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه ومتى اجتمعتم تحدثتم [3] .
قال ابن الجوزي: رأيت العادات قد غلبت الناس في تضييع الزمان, وكان القدماء يحذرون من ذلك, قال الفضيل: أعرف من يَعُدُّ كلامه من الجمعة إلى الجمعة, ودخلوا على رجل من السلف فقالوا: لعلنا شغلناك، فقال: أَصْدُقُكم كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم, وجاء رجل من المتعبدين إلى سَرِيٍّ السَّقَطي فرأى عنده جماعةً فقال: صِرتَ مناخَ البطالين، ثم مضى ولم يجلس.
ومتى لان المزور طمع فيه الزائر، فأطال الجلوس فلم يسلم من أذى, وقد كان جماعة قعودا عند معروف فأطالوا فقال: إن ملَك الشمس لا يفتر في سَوقها أفما تريدون القيام [4] .
(1) قال البغدادي في هدية العارفين 1/ 212: ابن الماشطة إسماعيل بن علي بن جعفر البغدادي الأزجي فخر الدين أبو محمد الحنبلي, يعرف بابن الماشطة وأيضا بابن الفراء, ولد سنة 549 وتوفي سنة 601 إحدى وستمائة, صنف تعليقة في الخلاف مشهور"جنة الناظر وجنة المناظر".
(2) أعيان العصر وأعوان النصر 1/ 236
(3) صيد الخاطر (ص 492)
(4) صيد الخاطر (ص 491 - 492)