فهرس الكتاب
وقال أبو حامد الغزالي: الوظيفة الثانية: أن يُقلِّل علائقه من الاشتغال بالدنيا ويَبعُد عن الأهل والوطن, فإن العلائق شاغلة وصارفة {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه} , ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق, ولذلك قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلَّك فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضَه على خطر, والفكرة المتوزعة على أمور متفرقة كجدول تفرق ماؤه فنَشِفت الأرض بعضه واختطف الهواء بعضه فلا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزدرع [1] .
وقال النووي: ينبغي أن يقطع العلائق الشاغلة عن كمال الاجتهاد في التحصيل, ويرضى باليسير من القوت ويصبرَ على ضيق العيش, قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يطلب أحد هذا العلم بالمُلك وعز النفس فيفلح ولكن من طلبه بذُلِّ النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح, وقال أيضا: لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل ... وقال أبو حنيفة رحمه الله: يستعان على الفقه بجمع الهم ويستعان على حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد, وقال ابراهيم الآجري: من طلب العلم بالفاقة ورث الفهم [2] .
قال ابن العربي في «أحكام القرآن» : نكتة: كان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام، فكانت الكتب تأتي إليه من بلده، فيضعها في صندوق، ولا يقرأ منها واحدا مخافةَ أن يطلع فيها على ما يزعجه أو يقطع به عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام، وقضى غرضا من الطلب، وعزم على الرحيل شد رحله، وأبرز كتبه، وأخرج تلك الرسائل وقرأ منها ما لو أن واحدة منها قرأها في وقت وصولها ما تمكن بعدها من تحصيل حرف من العلم، فحَمِد الله تعالى [3] .
(1) إحياء علوم الدين 1/ 50
(2) مقدمة المجموع 1/ 35
(3) أحكام القرآن 2/ 154, والفكر السامي 2/ 11