فهرس الكتاب
قال ابن عبد البر: في قوله: ألهاني عنه الصفق بالأسواق, دليل على أن طلب الدنيا يمنع من استفادة العلم, وأن كل ما ازداد المرء طلبا لها ازداد جهلا وقَلَّ عمله, والله أعلم [1] .
وقد قال سقراط: الاشتغال بطلب أسباب المعيشة مانع عن التعلم [2] , وكان بعض الفلاسفة لا يُعَلِّم أحدا يتعلق بشيء من الدنيا، ويقول: العلم أجل من أن يشتغل عنه بغيره [3] .
وقال الشيخ بكر أبو زيد في تقديمه لكتاب «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية» : لا تكاد نفسه تشبع من العلم, ولا تروى من المطالعة, ولا تمل من الاشتغال به, ولا تكل من البحث فيه, وقَلَّ أن يدخل في علم إلا ويفتح له فيه, ولهذا قال الذهبي: «ما رأيته إلا ببطن كتاب» . وفي غير هذا «الجامع» قال السخاوي في «الجواهر والدرر 1/ 117» بسنده عن الشمس ابن الديري قال: سمعت علاء الدين البسطامي ببيت المقدس يقول: وقد سأله وهل رأيتَ الشيخَ تقي الدين ابن تيمية؟ فقال: نعم, قلت: فكيف كانت صفته, فقال: هل رأيت قبة الصخرة؟ قلت: نعم, قال: كان كقبة الصخرة مُلِيء كتبا ولها لسان ينطق انتهى. هذا مع انصراف عن أمور الدنيا انصرافا كليا, إذ ليس له من المعلوم إلا اليسير, وقد تكفل أخوه شرف الدين بشؤونه. وهذا يفيد الدرس الآتي: وهو عدم اجتماع الضدين فكما أن:
حبُّ الكتاب وحب ألحان الغنا ... في قلب عبد ليس يجتمعان
فحب العلم وإشغالُ القلب والبدن بالمال وجمعه وتنميته والمكاثرة فيه لا
(1) التمهيد 3/ 202
(2) أبجد العلوم 1/ 134
(3) الفقيه والمتفقه 2/ 184