فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 157

وقال ابن الجوزي: لما رأيت نفسي في العلم حسنا، فهي تُقَدِّمه على كل شيء وتعتقد الدليل، وتُفضِّل ساعة التشاغل به على ساعات النوافل، وتقول: أقوى دليل لي على فضله على النوافل أني رأيت كثيرا ممن شغلتهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم قد عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول، فرأيتها في هذا الاتجاه على الجادة السليمة والرأي الصحيح, إلا أني رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم، فصِحْت بها: فما الذي أفادك العلم؟ أين الخوف؟ أين القلق؟ أين الحذر؟ أما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم؟ أما كان الرسول / سيدَ الكل، ثم إنه قام حتى ورمت قدماه؟ أما كان أبو بكر / شجي النشيج كثير البكاء؟ أما كان في خد عمر / خطان من آثار الدموع؟ أما كان عثمان / يختم القرآن في ركعة؟ أما كان علي / يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع, ويقول: يا دنيا غري غيري, أما كان الحسن البصري يحيا على قوة القلق؟ أما كان سعيد بن المسيب ملازما للمسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة؟ أما صام الأسود بن يزيد حتى اخضر واصفر؟ أما قالت ابنة الربيع بن خثيم له: ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟ فقال: إن أباك يخاف عذاب البيات, أما كان أبو مسلم الخولاني يعلق سوطا في المسجد يؤدب به نفسه إذا فتر؟ أما صام يزيد الرقاشي أربعين سنة؟ وكان يقول: والهفاه سبقني العابدون وقُطِع بي, أما صام منصور بن المعتمر أربعين سنة؟ أما كان سفيان الثوري يبكي الدم من الخوف؟ أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف؟ أما تعلمين أخبار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد, احذري من الإخلاد إلى صورة العلم مع ترك العمل به، فإنها حالة الكسالى الزمنى [1] .

قال ابن حجر الهيتمي: رسوم العلوم الخالية عن الأعمال الصالحة في الحقيقة مقتٌ أي مقت، وغضب أي غضب، ومن ثم جاء في الأخبار الصحيحة من عقاب العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم ما يُدهش اللبَّ ويحير الفكر [2] .

ويقول الشيخ سلمان العودة: ما كانوا يعرفون العالم بالمُطَّلِع أو الباحث أو الراوي, بل بالعامل المقبل على الله، المنصرف عما سواه, ومن أقوالهم في ذلك: «إنما العالم من خاف الله عز وجل» [3] , «إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا [4] الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه» [5] , «إنما الفقيه من يخاف الله» [6] , وسئل سعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ فقال: «أتقاهم لربه» [7] . إذًا الفقه والتقوى قرينان لا يفترقان، ومن اتصف بالعلم والحفظ دون انتفاع بما يحمل، ولا تأثر عملي به, فليس بفقيه، كما أن العابد الجاهل المتخبط ليس بعابد على التحقيق, وهذان الصنفان فيهما شَبَه من اليهود والنصارى, فمن ضَلَّ من علماء الأمة ففيه شبه من اليهود، ومن ضل من عُبَّادها ففيه شبه من النصارى [8] .

قال ابن القيم: من لم يعرف الحقَّ فهو ضال, ومن عرفه وآثر غيرَه عليه فهو مغضوب عليه, ومن عرفه واتبعه فهو مُنعَم عليه, وقد أمرنا سبحانه وتعالى أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا

(1) صيد الخاطر (ص 84 - 86)

(2) الفتاوى الحديثية (ص 220)

(3) انظر الجامع لابن عبد البر (1/ 134) .

(4) قال الشبلي: كل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم. قواعد التصوف (ص 49) زهران

(5) أخرجه الدارمي (294) عن الحسن البصري.

(6) انظر الجامع لابن عبد البر (1/ 134) .

(7) أخرجه الدارمي (295) من كلام سعد بن إبراهيم الزهري.

(8) ضوابط للدراسات الفقهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت