فهرس الكتاب
الفصل السادس
في حكم طلب العلم
قال القرافي: أفتى أصحابنا رضي الله عنهم بأن العلم على قسمين: فرض عين وفرض كفاية, وحكى الشافعي في رسالته والغزالي في إحياء علوم الدين الإجماع على ذلك [1] .
قلت: وكذا حكاه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» فقال: قد أجمع العلماء على أنَّ من العلم ما هو فرض متعيِّن على كل امرئ في خاصَّة نفسِه, ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه عن أهل ذلك الموضع [2] .
قال النووي: الأول: فرض العين: وهو تعلم المكلَّف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعلُه إلا به, ككيفية الوضوء والصلاة ونحوهما [3] .
قال الإمام أحمد: الذي يجب على الإنسان من تعليم القرآن والعلم ما لا بد منه في صلاته وإقامة دينه, وأقل ما يجب على الرجل من تعليم القرآن فاتحة الكتاب وسورتان [4] .
وقال الشيخ منصور البُهُوتي: قال أحمد: ويجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه, قيل له: فكل العلم يقوم به دينه, قال: الفرض الذي يجب عليه في نفسه لا بد له من طلبه, قيل: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله: صلاته، وصيامه، ونحو ذلك, ومراد أحمدَ ما يتعين وجوبه, وإن لم يتعين ففرض كفاية, ذكره الأصحاب, فمتى قامت طائفة بعلم لا يتعين وجوبه قامت بفرض كفاية [5] .
وقال ابن رشد: طلب العلم والتفقه في الدين من فروض الكفاية كالجهاد إلا ما لا يسع الإنسانَ جهلُه من صفة وضوئه وصلاته وصومه وزكاته إن كان ممن تجب عليه الزكاة. وسئل مالك: أواجب طلب العلم؟ فقال: أما على كل الناس فلا [6] .
وقال ابن تيمية: طلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه عنه, فإن هذا فرض على الأعيان [7] .
وقال برهان الإسلام الزرنوجي في كتابه «تعليم المتعلم طريقَ التعلم» : إنه لا يُفترض على كل مسلم طلبُ كل علم وإنما يفترض عليه طلب علم الحال, أي: علم ما يقع له في حاله من الصلاة والزكاة والصوم والحج [8] .
وقال القرافي في «الذخيرة» : فرض العين الواجب على كل أحد هو علمه بحالته التي هو فيها [9] , مثاله: رجل أسلم ودخل في وقت الصلاة فيجب عليه أن يتعلم الوضوءَ والصلاة, فإن أراد أن يشتري طعاما لغذائه قلنا: يجب عليه أن يتعلم ما يعتمده في ذلك, أو أراد الزواج وجب عليه أن يتعلم ما يعتمده في ذلك, أو إن
(1) الذخيرة 1/ 143
(2) جامع بيان العلم وفضله 1/ 56
(3) مقدمة المجموع 1/ 24
(4) طبقات الحنابلة 1/ 104
(5) كشاف القناع 1/ 412
(6) التاج والإكليل للمواق 4/ 538
(7) مجموع الفتاوى 28/ 80
(8) أبجد العلوم 1/ 78
(9) قال ابن وهب: قيل لمالك: ما تقول في طلب العلم؟ قال: حسن جميل، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي، فالزمه. سير النبلاء 8/ 97