فهرس الكتاب
أراد أن يؤدي شهادة فيجب عليه أن يتعلم شروط التحمل والأداء, فإن أراد أن يصرف ذهبا فيجب عليه أن يتعلم حكم الصرف, فكل حالة يتصف بها يجب عليه أن يعلمَ حكمَ الله تعالى عليه فيها, فعلى هذا لا ينحصر فرض العين في العبادات ولا في باب من أبواب الفقه كما يعتقد كثير من الأغبياء [1] .
وقال القرافي أيضا في «الفروق» : الغزالي حكى الإجماع في إحياء علوم الدين والشافعي في رسالته حكاه أيضا في أن المكلف لا يجوز له أن يُقْدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرَعه في البيع، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله تعالى في الإجارة, ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في القراض، ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة, وكذلك الطهارة وجميع الأقوال والأعمال, فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم أطاع الله تعالى طاعتين، ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين، ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية.
ويدل على هذه القاعدة أيضا من جهة القرآن قولُه تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْم} , ومعناه ما ليس لي بجواز سؤاله علم, فدل ذلك على أنه لا يجوز له أن يقدم على الدعاء والسؤال إلا بعد علمه بحكم الله تعالى في ذلك السؤال وأنه جائز, وذلك سبب كونه عليه السلام عُوتِب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون معه في السفينة لكونه سأل قبل
(1) الذخيرة 1/ 143 , وقال الدسوقي: وأما الواجب العيني فاعلم أنه لا ينحصر في معرفة باب معين بل يجب على كل مكلف أن لا يُقْدِم على أمر من طهارة وصلاة وغيرهما حتى يعلم حكم الله فيه ولو بالسؤال عنه. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 174