فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 157

سلطانه وتكثير أتباعه، والآخر يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والساسة وأولي الرأي المهتمين بتدبير ذلك السلطان، ولذلك لم يثبت ملك اللَّمتونيين في الأندلس إلا قليلا حتى تقلص، ولم تثبت دولة التتار إلا بعد أن امتزجوا بعلماء المدن التي فتحوها ووكلوا أمر الدولة إليهم.

وإذ قد كانت الآية السابقة قد حرَّضت فريقا من المسلمين على الالتفاف حول رسول الله / في الغزو لمصلحة نشر الإسلام ناسب أن يذكر عقبها نفر فريق من المؤمنين إلى رسول الله / للتفقه في الدين ليكونوا مرشدين لأقوامهم الذين دخلوا في الإسلام.

ومن محاسن هذا البيان أن قابل صيغة التحريض على الغزو بمثلها في التحريض على العلم إذِ افتُتحت صيغة تحريض الغزو بلام الجحود في قوله: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَاب} الآية, وافتتحت صيغة التحريض على العلم والتفقه بمثل ذلك إذ يقول: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [1] .

هذا وقد ذكر النووي قسما ثالثا لأقسام حكم طلب العلم, فقال: القسم الثالث: النفل: وهو كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية, وكتعلم العامي نوافل العبادات لغرض العمل لا ما يقوم به العلماء من تمييز الفرض من النفل, فإن ذلك فرض كفاية في حقهم والله أعلم [2] .

(1) التحرير والتنوير 11/ 58 - 59

(2) مقدمة المجموع 1/ 27

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت