فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 157

يريد به الظَّفَر بشيء من المال أو يصل به إلى نوع من الشرف أو البلوغ إلى رئاسة من رئاسات الدنيا أو جاه يحصله به, فإن العلم طيب لا يقبل غيره ولا يحتمل الشركة, والروائح الخبيثة إذا لم تغلب على الروائح الطيبة فأقل الأحوال أن تساويها, وبمجرد هذه المساواة لا تبقى للطيب رائحة, والماء الصافي العذب الذي يستلذه شاربه كما يكدره الشيء اليسير من الماء المالح فضلا عن غير الماء من القاذورات بل تنقص لذته مجرد وجود القذاة فيه ووقوع الذباب عليه, هذا على فرض أن مجرد تشريك العلم مع غيره له حكم هذه المحسوسات, وهيهات ذاك, فإن من أراد أن يجمع في طلبه العلم بين قصد الدنيا والآخرة فقد أراد الشَّطط وغلِط أقبحَ الغلط, فإن طلب العلم من أشرف أنواع العبادة وأجلها وأعلاها, وقد قال الله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} , فقيد الأمر بالعبادة بالإخلاص الذي هو روحها, وصح عن رسول الله / حديث: إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى [1] .

وقال ابن جماعة: الثاني: حسن النية في طلب العلم, بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به وإحياء الشريعة وتنويرَ قلبه وتحلية باطنه والقرب من الله تعالى يوم القيامة والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله, قال سفيان الثوري: «ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي» , ولا يقصد به الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس له، وتصديره في المجالس ونحو ذلك، فيستبدل الأدنى بالذي هو خير, قال أبو يوسف رحمه الله: «يا قوم أريدوا بعلمكم الله تعالى فإني لم أجلس مجلسا قطُّ أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوَهم، ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أُفتضَح» ,

(1) أدب الطلب (ص 28 - 29)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت