فهرس الكتاب
سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقا يباهي بعضهم بعضا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه, أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى, وعن سفيان: ما ازداد عبد علما فازداد في الدنيا رغبة إلا ازداد من الله بعدا, وعن حماد بن سلمة: من طلب الحديث لغير الله مكر به, والآثار به كثيرة [1] .
قال ابن الجوزي: عجبت لمن يتصنع للناس بالزهد يرجو بذلك قربه من قلوبهم، وينسى أن قلوبهم بيد من يعمل له, فإن رضي عملَه ورآه خالصا لفت القلوب إليه، وإن لم يره خالصا أعرض بها عنه [2] , ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب إليه فقد زاحم الشركُ نيتَه، لأنه ينبغي أن يقنع بنظر من يعمل له, ومن ضرورة الإخلاص ألا يقصد التفات القلوب إليه، فذاك يحصل لا بقصده بل بكراهته لذلك.
وليعلم الإنسان أن أعماله كلَّها يعلمها الخلق جملةً وإن لم يطلعوا عليها, فالقلوب تشهد للصالح بالصلاح وإن لم يُشاهَد منه ذلك, فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله فقد مضى العمل ضائعا، لأنه غير مقبول عند الخالق ولا عند الخلق، لأن قلوبهم قد التفتت عنه، فقد ضاع العمل، وذهب العمر. ولقد أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله / أنه قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرةٍ صماءَ ليس لها باب
(1) المجموع 1/ 24
(2) قال ابن الجوزي: من عرف الله لم يراء. تلبيس إبليس (ص 116)