فهرس الكتاب
وقد روى مسلم في «صحيحه» عن يحيى بن أبي كثير قال: لا يُستطاع العلم براحة الجسم [1] , قال النووي في «شرح مسلم» : جرت عادة الفضلاء بالسؤال عن إدخال مسلم هذه الحكاية عن يحيى مع أنه لا يذكر في كتابه إلا أحاديث النبي / محضةً, مع أن هذه الحكاية لا تتعلق بأحاديث مواقيت الصلاة, فكيف أدخلها بينها, وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بعض الأئمة أنه قال: سببه أن مسلما رحمه الله تعالى أعجبه حسن سياق هذه الطرق التي ذكرها لحديث عبد الله بن عمر وكثرة فوائدها وتلخيص مقاصدها وما اشتملت عليه من الفوائد في الأحكام وغيرها, ولا نعلم أحدا شاركه فيها, فلما رأى ذلك أراد أن ينبه من رغب في تحصيل الرتبة التي يُنال بها معرفةُ مثلِ هذا فقال: طريقه أن يكثر اشتغاله وإتعابه جسمَه في الاعتناء بتحصيل العلم, هذا شرح ما حكاه القاضي [2] .
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: كنا بمصرَ سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، كلُّ نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ، وبالليل النسخ والمقابلة, قال: فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا، فاشتريناه، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس فلم يمكنا إصلاحه، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام وكاد أن يتغير، فأكلناه نيئا، لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه, ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد [3] .
قال ابن الجوزي: تأملت عجبا، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله, فإن العلم لما كان أشرفَ الأشياء لم يحصل إلا بالتعب
(1) قال السيوطي في الديباج 2/ 266: وقد أخرجه بن عدي في الكامل بزيادة ولفظه سمعت أبي يقول: كان يقال: العلم خير من ميراث الذهب, والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ, ولا يستطاع العلم براحة الجسم.
(2) شرح صحيح مسلم للنووي 5/ 113 - 114
(3) سير أعلام النبلاء 13/ 266